اللواء الركن أنطوان لحد

قائد جيش لبنان الجنوبي

 

(صور خصنا بها اللواء الركن انطوان لحد)

التقيناه بعد غياب، رجلا لا يعرف  اليأس أبداً ولا الاستسلام، تعلو محياه مسحة ألم عميق من قدر أعطى الوطنيين أمثاله مصيراً وجد لمن باعوا الوطن بحفنة من المساومات و"أجندات الغير".

إنه اللواء الركن انطوان لحد قائد جيش لبنان الجنوبي، الجنرال المتقاعد في الجيش اللبناني  الذي لبى النداء لتحمل مسؤولية شعب_ عرف بمدى حبه للبنان_ من أجل ترسيخ دعائم الأمن والسلام  والمحافظة على لبنانية الارض والشعب وتثبيته في قراه .

 

في بلدة كفرقطرة في جبل الشوف، القريبة من دير القمر وبيت الدين، أبصر لحد  النور عام 1927 في عائلة ميسورة الحال، كانت من وجهاء البلدة والقرى المحيطة ومن كبار ملاكيها.

تلقى علومه في مدارس دير القمر وبيت الدين وجونية وعاليه وبيروت الداخلية، لعدم وجود مدرسة في مسقط رأسه، وقضى فيها احد عشر عاما قبل دخوله المدرسة الحربية كتلميذ ضابط في شهر تشرين الأول من العام 1948 .. وتخرج منها عام 1950 وكان من بين الأوائل في قسم العلوم العسكرية.

أدى اللواء لحد مهماته العسكرية بنشاط وأمانة وكفاءة عالية، ما جعله قريباً من رجالات الدولة وقادة الجيش، فكوفئ بترقيات عديدة سريعة  وحصل على أعلى الأوسمة اللبنانية، وسطور حياته خير شاهد على دوره وفاعليته على الساحة اللبنانية مما جعله لاعبا مؤثرا في بعض مجريات الاحداث والامور السياسية .

 

في الثمانينات، قدم الجنرال لحد استقالته من الجيش اللبناني عندما اصبح"سياج الوطن"جيوشا طائفية، ليحمل بعدها بفترة،  مسؤولية جسيمة في تولي مهام قيادة المنطقة الحدودية الجنوبية خلفا للراحل الرائد سعد حداد. َقبل المهمة واضعا نصب عينيه هدفين ساميين الأمن والسلام والحفاظ على لبنانية الأرض والشعب،  مشترطا القبول بمنصبه العمل فقط من أجل هذين الهدفين، لأن لبنان كان بامس الحاجة لهما .

وثّق اللواء لحد محطات التاريخ الذي عايشه بحبر صاغ منه صفحات أظهرت أهمية موقعه وسبره غور الأحداث بأسلوب المحلل والمستنتج ...في كتابه "في قلب العاصفة" كشف غوامض الصراعات والعواصف التي اجتاحت لبنان ولا يزال يئن من ثقل  تداعياتها.

بعد ست سنوات على النفي، إستقبلنا اللواء الركن في مكان إقامته في تل ابيب. كنا في غبطة من لقاء هذا الرجل الذي أحب وطنه حتى العبادة لدرجة أنه ضحى بكل شيء في سبيله.إستقبلنا على الطريقة اللبنانية المحضة، بالكرم اللبناني الاصيل والنادر.

في جلستنا، قص علينا اكثر من قصة وما رواه هو زبدة  ما كابد في ايامه، من غبار تاريخه وبعض من نتاج المشقة التي كابدها وحملها . مخطىء من يفكّر أن هناك من يضاهيه بحبّه، بإخلاصه، باندفاعه وبعطائه اللامحدود..  يسير عكس التيّار المادي الكاسح، جريئ، تلقائي بحبه للبنان.

رجلٌ لبنانيٌّ بإمتياز، لا يرتاح إلا لأداء واجبه الوطنيّ، روحه ظامئة للعدالة والسلام فلا تنام على منكبي الظلم، وقلبه كبير مفعم بالإنسانية المحبوكة بخيوط التمرد على كلّ متطفل تجاسر على تدنيس تراب الوطن. ولا عجب في ذلك وهو ربيب مدرسة عسكرية عريقة لها شرف مسؤولية الدفاع عن الوطن...طبعت شخصه بمبادئها فصبغت عقله وضميره بقيم إنسانية وأخلاقية نبيلة...

دار الحديث عن  لبنان وموقفه من التطورات والمستجدات على الساحة اللبنانية، وعن واقع اللبنانيين في اسرائيل، اتصفت اجاباته بالموضوعية والصراحة،  فكان هذا الحوار :

 

1-     ما قراءتكم للواقع اللبناني الحالي خصوصا بعد حرب تموز ؟

الواقع اللبناني الحالي مأساوي، وقد زادت حرب تموز الاوضاع سوءً من ناحية الدمار والخراب التي أحدثته والانقسامات الحاصلة، وهذا يعود الى غياب  الدولة ودورها الفعلي لان سبب الحرب ناجم عن وجود دولتين على ارض واحدة ؛ دولة حزب الله ودولة "الحكومة " وهذه المعادلة تلغي مكانة ومفهوم الدولة المتعارف عليه .

وما حصل في تموز لا يمكن  ان يكون حربا بقدر ما هو  مجرد مواجهة عسكرية  ارادها المحور الايراني- السوري لكنهم وحزب الله تفاجأوا بنتيجتها المدمرة  دون ان  تحقق نصرا لاحد من الناحية الميدانية، ولا يخفي على احد انها اعطت إسرائيل  انجازا  سياسيا بامتياز  بفعل القرار 1701  نظرا للواقع الجديد الذي فرضه على الحدود اللبنانية الاسرائيلية.

 

2-      هل تعتبر ان لبنان على ابواب انقلاب سياسي  لا سيما بعد نزول المعارضة وعلى رأسها حزب الله  الى الشارع  وبدء "العصيان" اذا صح التعبير من اجل اسقاط الحكومة؟ وهل تعتبر ان الحزب بقوته العسكرية وامتلاكه وحده  للسلاح قادر على تحقيق ما يصبو اليه ؟ وما يمكن ان تكون المفاجأت التي تحدثت عنها بعض كوادر حزب الله في الاونة الاخيرة وعلى راسهم نائب الامين العام نعيم قاسم ؟

لا أعلم مدى تطور الاحداث التي قد تؤول الى انقلاب سياسي، لكني على يقين ان حزب الله لن يستخدم سلاحه ولن يوجهه الى الداخل اللبناني. ومن الخطأ القول انه الوحيد الذي يمتلك سلاحا قد يتفرد بامتلاك الصواريخ لكن لا يعقل ان يوجهها الى الداخل اللبناني .

اعتقد ان الامور ستاخذ طابعها الديمقراطي الا اننا نخاف من الفئات المندسة التي قد تقدم على شيء تاخذ البلاد فيه الى الهاوية اكثر مما هي عليه اليوم ، وتؤدي الى احداث فتنة داخلية. اما فيما يتعلق بموضوع المفاجات، فاعتقد ان اتخاذ قرار النزول ابطل  عنصر  "المفاجأة" مهما كانت الآلية التي يريدون استخدامها الا اذا ارادوا قتل او تصفية احد.

 

3-      هل تعتقد ان حزب الله شريكا في عمليات التصفيات والاغتيالات  (بصورة مباشرة او غير مباشرة او حتى من ناحية تغطية المجرمين)، ولا سيما في قضية اغتيال الشهيد الوزير بيار الجميل؟

حزب الله زكي لدرجة انه لا يمكن ان يتورط بهذه العمليات  لا من حيث التنفيذ ولا من حيث التغطية كما ان المحور برأسيه الايراني والسوري لا يمكنه اشراكه بها.

 أما فيما يتعلق بمقتل بيار الجميل فقد أراد المنفذين احداث الفتنة والشرخ في الصف المسيحي من هنا جاءت في قلب منطقة مسيحية، الا ان الشعب اللبناني لديه ما يكفيه من النضج، فانعكست سلبا على منفذيها ورأينا ما يشبه اللحمة المسيحية عند مقتل الشيخ بيار.

دون ان ننسى هدفا لا يقل اهمية عن السابق ارادوه بمقتل الوزير الجميل الا وهو  ابعاد شبح المحكمة الدولية وتعطيلها.

 

4-     هل صحيح ان الوضع الحالي في لبنان يشبه ما كان عليه عام 1975 كما قال الرئيس بشار الاسد .ما تعليقك على كلام الاسد وهل تضمن رسائل معينة؟ وما خطورة هذا الكلام في مثل هذا الوقت?

 هذا صحيح، لان الفتن التي زرعها السوري  في 75 ادت الى حرب اهلية، وهواليوم يلجأ الى الوسيلة نفسها من اجل انشقاق الصف اللبناني وبالتالي اندلاع حرب داخلية.

نحن بالفعل نعيش اجواء ال 75 من خلال " الحركشات السورية" من اغتيالات  ضف الى الفتن  والتدخل السافر في الشؤون اللبنانية

لكن الشعب اللبناني اليوم في غاية الوعي والنضج ولا يمكنه ان يستسلم وينصاع لغايات هذه الفتن .

 

5-      يتم الحديث على ان عناصر حزب الله لا يزالون في منطقة الشريط الحدودي، كقائد سابق لهذه المنطقة وربيب المدرسة العسكرية كيف تقيم دور الجيش اللبناني هناك،  وهل بالفعل يمكن ان نقول ان الجيش فرض سيادته بكل ما للكلمة من معنى او ترى انه يمكن ان يكون (بمعنى او باخر) خاضعا لمشيئة منظمة حزب الله؟

رغم اهمية انتشار الجيش اللبناني في الجنوب من الناحية المعنوية والسيادية الا انه ليس لديه امكانيات وقوة فعلية لنتمكن من القول انه قادر على  فرض سيادته بشكل كامل . كما ان وضع الجيش اللبناني فهو حساس نظرا لتركيبته الطائفية .

هل ترى ان الجيش اللبناني اليوم متاثرا بالتركيبة الطائفية  ؟

بالطبع ، فحاله لم يتغير نظرا لتاثره بالتوجهات السياسية وانعكاسها على تركيبته الداخلية.

وبالنسبة لتواجد حزب الله؟

أما بالنسبة لاستمرار تواجد عناصر الحزب، لا احد بامكانه اقصائهم خاصة ان معظمهم من سكان المنطقة،  لكن من ناحية تسلحهم، اشك بقدرتهم على الظهور المسلح،  ضف الى ان ما يملكونه من ذخائر قد قضي عليها وان كانت موجودة هنا او هناك فهي دون اهمية في الوقت الراهن . حزب الله بعد تموز 2006 ليس كما كان عليه من قبل اقله في منطقة الجنوب .

 

6-      على مدى سنوات كنتم في خط المواجهة المباشرة اذا صح التعبير مع حزب الله  (عسكريا وعقائديا...) بحكم ادارتكم المنطقة الحدودية التي عانت الكثير وسقط منها الكثير نتيجة هجمات هذا الحزب التي كانت تطال جيشكم اكثر من الجيش الاسرائيلي ضف الى الضحايا في صفوف المدنيين ، فما هو تعليقكم على التصريحات التي تقول ان حزب الله يمتلك السلاح فعلا ولكن تاريخه بريء من اراقة دم اللبنانيين عكس باقي الاحزاب؟

هذه هي وجهة نظرهم، يعتقدون انهم قتلوا العملاء وجيشه .. لكن هل الابرياء الذين سقطوا بعبواتهم الناسفة كانوا عملاء؟

فحزب الله عندما كان يشن الحرب على المنطقة الحدودية بصفتها منطقة "محتلة" لم يكن يميز بين المدنيين والعسكريين لهذا حصد ارواح عدد من الضحايا المدنيين. فهو ليس ببريء من دم هؤلاء اللبنانيين الاوفياء لارض الوطن .

عندما استلمت زمام القيادة في المنطقة الحدودية، لم اكن اريد ان اكون في مواجهة مع احد وانما اردت ترسيخ الامن والسلام وتطبيق اتفاقية 17 ايار الذي لا تختلف بتاتا عن اتفاقية الهدنة التي طالبت بها الحكومة ابان حرب تموز، ومن اجل ابقاء الاهالي في بيوتهم وممتلكاتهم ونجحت في تحقيق ما اصبوا اليه مدة 16 عاما الى حين قرار باراك المفاجىء تحت جنح الظلام .

 

7-      منذ ما يقارب السنة اعيد ملف جيش لبنان الجنوبي للتداول من قبل بعض القوى السياسية اللبنانية الفاعلة. هل كان هناك أي اتصال بجانبكم  من اجل التنسيق كونكم المرجع الرسمي للبنانيين في اسرائيل؟ وما هو موقفكم من  الدعوات المتكررة من اجل العودة ؟

لم اتلق أي من الاتصالات بصدد هذا الموضوع، سمعنا الدعوات المتكررة للعودة .لكن بانت وكانها مشروط بالمحاكمة. على ماذا يريدون محاكمتنا ؟! لقد  فرض علينا الامر الواقع ورغم كل ذلك حافظنا على لبنانيتنا وسمحت لجميع اجهزة الدولة اللبنانية بالقيام بمهاماتها وساعدتها في ذلك ولم نرفع سوى العلم اللبناني . لم نرتكب جرما لكي نحاكم . نامل العودة ولكن عودة كريمة مشرفة، تتجسد بالغاء الاحكام الباطلة، فالكل يعرف ان قضيتنا سياسية وان كانوا يريدوننا فليحملوا حلا لقضية ابناء الجنوب المتهمين زورا .

 

8-      فيما يتعلق بوضع اللبنانيين في اسرائيل كيف تقيمون القانون الخاص بافراد جيش لبنان الجنوبي وعائلاتهم الصادر سنة 2004؟ وهل انتم راضون عن بنوده ؟ وعن آلية تطبيقه ؟

القانون بشكل عام  لا بأس به فيه الكثير من الايجابيات، لكن يوجد بعض البنود التي يفترض تعديلها لانها لا تتناسب بتاتا مع واقع افراد جيش لبنان والجنوبي،  ولعل اهمها آلية دفع المستحقات . وقد وجهت قبل الحرب كتابا الى رئيس الحكومة إيهود  اولمرت وقد تفاعل مع الموضوع بحيث ارسل لي ردا باحالة القضية على الاجهزة المختصة وتحديد لقاء معه، الا ان الزمن كان بالمرصاد ووقعت الحرب .

لا يعقل دفع تعويضات عناصر الجيش الجنوبي  باقساط، الجميع يعتمد عليها لبناء مستقبله. عندما ابلغتنا الدولة الاسرائيلية بنية انسحابها ، الذي تقرر في الشهر السابع من العام  2000كحد اقصى كان هناك عدد من الترتيبات التي فرضتها على الاسرائيليين اهمها دفع التعويضات للعسكريين من شهر الى ثلاث اشهر عن كل سنة خدمة وقد وافقوا على طلبي هذا.

      كما انه لا يجوز اعتماد مبدا التقسيم  الى وزارة استيعاب ووزارة دفاع ، فالجميع سواء ، نحترم تضحيات قياديي جيش لبنان الجنوبي  ولكن الجندي في هذا الجيش قدم الكثير ايضا من اجل المنطقة، من هنا كانت مطالبتنا بجمع الجميع في اطار وزارة الدفاع وان ارادوا بعدها التصنيف فليكن .

ماذا تضمن كتابكم؟

 تضمن كتابي النقاط التالية :

-         ضم عناصر جيش لبنان الجنوبي ومعالجة اوضاعهم في وزارة واحدة من الافضل ان تكون وزارة الدفاع.

-         تامين حل دائم للسكن.

-         تامين مستوى معيشة كريم .

-         دفع التعويض دفعة واحدة دون اعتماد مبدا التقسيم.

-         الاهتمام بوضع المدنيين اللبنانيين في اسرائيل . 

 

9-      خلال الحرب الاخيرة  بين حزب الله واسرائيل، شهدت الحدود اللبنانية الاسرائيلية دخول عدد من العائلات اللبنانية / ما تعليقكم ؟

نزحت بعض العائلات الى الجهة الاكثر امنا خلال حرب اسرائيل وحزب الله، طالبين الدخول الى اسرائيل  وقد تدخلت لتسهيل دخولهم لاسباب انسانية، الشعب يريد الامن لا يمكن ردعه.

 

10-  هل لكم لقاءات مستمرة مع القيادات الاسرائيلية السياسية او العسكرية؟

قليلة جدا ولا تتعدى حدود الصداقات.

 

11- هل ندمت على قدومك  الى المنطقة الحدودية واستلام ادارتها؟

لا لست نادما ابدا، رغم خسارتي الكبيرة بالعيش بعيدا عن عائلتي لسنين وخسارة املاكي في لبنان، الا ان ضميري مرتاح لما اديته طيلة 16 عاما .اليوم محكوم علي بالاعدام بسبب التعامل مع "العدو الاسرائيلي" لكن بالامس كنت بطلا وطنيا اثناء ادارتي شؤون المنطقة الحدودية، كان عدد كبير من اركان الدولة يتصل بي من تحت الطاولة ليشجعني كي اثابر في المحافظة على المنطقة الحدودية بانتظار التمكن من وصول الدولة اليها.

كما عرض علي  ترك المنطقة (من قبل اعداءها) مقابل ما اطلبه، الا انني رفضت لانني كنت مؤمنا بدوري في هذه البقعة الجنوبية وواجبي الوطني اتجاه شعبها.

 

12-   هل من كلمة اخيرة توجهها الى اللبنانيين بشكل عام و الموجودين في اسرائيل بشكل  خاص؟

للبنانيين عامة  اقول حذاري من الفتنة ولا تساهموا في أشعال فتيل الحرب الأهلية، نحن  لا نزال نعيش تداعياتها حتى اليوم ونتائجها.

وللبنانيين في اسرائيل،أقول : اصبروا، واهتموا باعمالكم وعائلاتكم ، لا تستعجلوا العودة في هذه الظروف، لا يمكن لاحد مساعدتكم في لبنان . قد يكون للجميع النوايا الحسنة في تقديم المساعدة ولكن ما من احد يسطيع ان يفعل شيئا لضمانتكم ، اصبروا ليصبح هناك دولة عادلة تضمن لنا عودة كريمة مشرفة.