القوميّة اللبنانية حلم لم يندثر

من مجلة المسيرة

الجنوح إلى الهوية يجسّد بصمة الشعوب في تحديد مسارها ورسم تاريخها، إنه الشعور الفطري بالانتماء. وهو أمر واجهه اللبنانيون منذ نشأة الكيان اللبناني، لاسيّما ان تركيبتهم الطوائفية سبقت قيام هذا الكيان، مما أنتج بحثًا عن هوية تشكّل خصوصية لبنانية تمثّلت في ظهور قوميّات تحمل إشكاليات الانتماء التاريخي للبنان، أبرزها القومية اللبنانية .

تُعرّف القواميس والمعاجم عن كلمة قوميّة بالقول: مبدأ سياسي اجتماعي يفضّل صاحبه كل ما يتعلّق بأمّته على سواه مما يتعلّق بغيرها. أما تعريف الأمّة: ج. أمم. الوطن. نقول هو من بني أمّتي، أي مواطني. في الانطلاق من هذا التعريف عن القوميّة، نجد إيجابيات تمثّلت في تفضيل الأمّة على أي شيء سواها، أي انها تضفي على القوم الذين ينتمي إليهم الفرد كيانًا تاريخيًّا ورؤية حضارية تجعل مستقبل هذا الكيان أسمى من المصالح والفئويّات.

إذاً تساوي القومية في جوهرها مبدأ المواطنة، لا بل تتفوّق عليه بهالةٍ تاريخية كيانيّة حضارية تتخطّى المشاركة في المؤسسات والحياة الاجتماعية والسياسية، لتصل إلى تكريس الكيان وتثبيته متأصّلاً قائمًا بذاته له حيثيته واستمراريته، من دون أن يكون بديلآً من أي مشاريع قومية أخرى.

طُرحت هذه المسألة الكيانيّة الشائكة مع بدايات القرن الماضي، وخصوصًا بعد قيام الكيان اللبناني في العام 1920، فتجلّت الانقسامات في البُعد القومي للهوية الوطنية التي فرضها واقع جيوسياسي نتيجة إعلان المندوب السّامي الفرنسي دولة لبنان الكبير، فأُلحقت الأقضية الأربعة والمدن الرئيسية بجبل لبنان. وحتى قبل ذلك حين راح المسلمون يقدّمون العرائض للأمير فيصل والدول الغربية مطالبين بالانضمام إلى سوريا، فتنامت الانقسامات المتمثّلة في تيّار يتزعمه فيصل بن الحسين و يدعو إلى الوحدة مع سوريا، يضمّ الأكثرية الساحقة من المسلمين، وتيّار قومي لبناني جسده حزب الاتحاد اللبناني بقيادة يوسف السودا وبولس مسعد، ورابطة النهضة اللبنانية من نيويورك برئاسة نعوم مكرزل، والرابطة اللبنانية في باريس بزعامة خيرالله خيرالله، أي فريق من أغلبية مسيحية ساحقة. وجاء في بيان حزب الاتحاد اللبناني آنذاك: ولدت فكرة في بعض البيئات اللبنانية تهدف إلى ضمّ لبنان إلى سوريا لإدخاله مثلها في الامبراطورية العثمانية. إزاء هذا قررت مجموعة الوطنيين اللبنانيين محاربة الاتحاد المقترح بكل الوسائل التي تملكها…1 وفيما كان هذا الهدف السامي وراء هذه الحركة التحرّرية القومية، كان المطالبون بالوحدة مع سوريا يكتبون بياناتهم الوحدوية في جريدة الحقيقة الناطقة باسمهم آنذاك:إن مسلمًا واحدًا لا يمكن ولن يمكن، أن يرضى بما يسمّونه لبنان الكبير، إنه سوري ويسعى إلى وحدة سوريا.

مذاك، راجت فكرة القومية اللبنانية حفاظًا على كيان هش، اعتبره البعض هجينًا في الجغرافيا السوريّة الكبيرة، فانبَرت لاحقًا تيارات وقوميات تستميت في إهداء لبنان إلى سوريا الطبيعية التي تعتبر لبنان قطرًا من أقطارها. هذه الأبعاد الجغرافية والفكرية والثقافية للقوميين اللبنانيين، اعتنقتها لاحقًا نخبة من المثقفين، نموذجًا لأمّة لبنانية تتميز بفرادة وخصوصية لا تحتاج إلى التماهي مع الجغرافيا المحيطة بها، فتألّق سعيد عقل وشارل قرم وميشال شيحا وجواد بولس وفؤاد أفرام البستاني وشارل مالك وآخرون من المفكرين والأدباء الذين أرادوا لبنان الآتي من نشيد الأناشيد، ومن التجذّر الفينيقي التاريخي، ومن جغرافية جبله وبحره التي تفصله عن سوريا وفلسطين، وتفانوا في تقديس الكيان اللبناني الذي يتربّص به خطر عظيم منذ نشأته، تظهّر في من لم يؤمنوا يومًا بنهائية لبنان في معزل عن سوريا، فبانت في الخمسينات رؤية قومية مناهضة بقيادة عدد من الأيديولوجيين المتطرّفين الرافضين كياناً لبنانيًا قوامه الهوية اللبنانية، وكان أنطون سعادة الوجه المعبّر عن الأمّة السوريّة والهلال الخصيب الذي يعتبر لبنان فكرة مجرّدة حالمة، لا تنفصل عن سوريا الطبيعية.

حلم القومية اللبنانية الذي راود لبنانيين أصيلين، عبّر عنه يوسف السودا، المحامي والشاعر والسياسي والمناضل الرائد في سبيل القومية اللبنانية، في كتابه في سبيل الاستقلال. يقول: كنا في كلية القديس يوسف أساتذة وتلاميذ لكل منهم وطن ودولة وراية…يحدّثنا التلاميذ الأجانب عن أوطانهم ومفاخرها…لكل فريق عيده الوطني ورايته الوطنية، وكنا نعيّد معهم وتستهوينا بطولاتهم. أما في بلادنا فكان الناس يحتفلون بعيدالجلوس المأنوس ويدعون للسلطان ويرفعون راية تركيا…فمن نحن؟ قالوا من جبل لبنان. وما هو لبنان؟…عرفت أننا لبنانيون وبانتسابنا إلى لبنان ننتسب إلى ماضٍ رصّعته المآثر، عرفتُ أن للشعوب الصغيرة حقها بالاستقلال.

صحيح ان اللبنانيين توقفوا بعد زمن عن الاحتفال بعيد الجلوس المأنوس، لكن البعض منهم لم يتوقف عن الحلم بعيد الوحدة. ولمّا كانت الأصوات المطالبة بفكرة لبنان الصافية، في معظمها من المسيحيين، ولمّا كانوا من أشرس المدافعين عن لبنان الوطن والكيان، في حين كان يرى معظم المسلمين ان الوطنية تتجسد في مسار سياسي وتاريخي مشترك مع سوريا والجوار العربي، اتخذت القومية اللبنانية، طيلة عقود، منحى مسيحيًا خالصًا، فأُلصقت بها تهمة التقوقع والانعزال من ضمن مساحة طائفية جغرافية متمايزة عن الهويات الأخرى، وكأن تقديس الأمّة والوطن وصيانتهما من الذوبان والامّحاء، خيانة عظمى.

أثناء الحرب الأهلية، تناثر حلم القومية اللبنانية لهَول الحرب والقلق على المصير، وبخاصة على مصير المسيحيين في لبنان والشرق، ولكنه لم يندثر. وجاء الطائف في نهاية الحرب ليحاول رأب هذا التصدّع الذي كان قائماً فأعاد نوعًا من التوازن، ولو موقتاً، في رسم ملامح الكيان النهائي، إنما بانتماء عربي.

على رغم كل التحوّلات التي اجتاحت لبنان، في خريطته السياسية والعقائدية والانقلابية والذهنيّة، وما يواجهه من تحديات وتغيير في مسلّمات وتشويه لوجه حضاري وشطبٍ لمكانة تاريخية واتجاه إلى العولمة، لم يأفل حلم القوميّة اللبنانية التي تبقى هي الملاذ والطمأنينة، وتبقى في أعماق كل لبناني تائق إلى وطن غلب الجغرافيا وعمّر في التاريخ ليلِد أمّة متفوّقة.

إن أبلغ دليل على هواجس يوسف السّودا من فقدان وطن واضمحلال أمّة هو الفراغ المدوّي الذي نعيشه اليوم.

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

لبنان الطبيعي حقيقة تاريخية / مي المر

كتب سعيد عقل (لسان الحال، 12-3-1975): “يسألنا عن حدود لبنان، وهل صحيح أنها ليست التي …