“الجنوب” – الحلقة الثانية

كان الجنوب بدأ يعرف لذة الكهرباء التي وصلت إلى كل قرية ومزرعة بين سنوات 1964 و1967 وأضاء نورها ليله الحالك، ولم يعد الأهالي ينظرون إلى بعض القرى عبر الشريط، حيث كانت تشع الأنوار، بحسد فقد تساوى الوضع هنا وهناك، وصار لنا ارتباط بخدمات الدولة، خاصة الماء والكهرباء، ولو كانت المياه لا تزال “مشروعا” يكاد لا يروي لأنها تأتي بالمناسبات، أما الكهرباء فقد وصلت بكل ثقلها وبكل التنظيم الذي رافقها؛ بالأعمدة الحديدية ومصابيح الإنارة، حتى أن عين إبل ومرجعيون أنيرتا بالفلوريسان وأصبح ليلهما صباحا وتباهتا حتى على قرى الإسرائيليين. في هذه الفترة وصل التلفزيون وصرنا نرى بيروت وبرامجها ثم تلفزيون إسرائيل الذي كان يبث فترة وجيزة، وفي أيام الصيف كنا نرى تلفزيون مصر وأفلامه وخطابات الرئيس عبد الناصر. وفي صيف 1966 بدأت الاستعراضات العسكرية، وصار جيش مصر وطيرانه وصواريخ “القاهر” و”الماهر” و”الظافر”… وأغنية “بلادي… بلادي… بلادي … مصر يا أم البلاد” تملأ مخيلة الصغار، ومع قدوم الشتاء غابت مصر وأغلب القنوات لأن أنتين القناة 7 ينكسر كلما عصفت الرياح على جبال الباروك بينما لا تصلنا القناة 11 ولم يكن هناك بعد من تلفزيون في سوريا والأردن… ولكن الصحف كانت لا تزال تأتينا بأخبار القمم العربية ومشاريع قطع المياه عن إسرائيل والقيادة العربية المشتركة ووصول الجيوش العربية لدعم الجبهات؛ وها هي فرق من الجيش المغربي تتمركز في الجولان السوري ويحشد الملك حسين دباباته ويزور قائد القيادة الموحدة للجيوش العربية اللواء علي علي عامر الجبهة الشمالية في سوريا ولبنان. ومع قدوم الربيع وعودة تلفزيون مصر إلى الظهور كانت القضية قد “استوت” وخلنا أن عبد الناصر وجيوشه لابد ستقهر إسرائيل وتعيد “شرف” العرب، وها هو يطرد المراقبين الدوليين ويغلق مضائق تيران في البحر الأحمر ليقطع الطرق على إسرائيل ويحشد جيوشه في سيناء ويوزع الدبابات والطائرات، فيخال من يرى كل هذا على شاشات التلفزيون أن إسرائيل لا بد إلى زوال. بينما لم يكن تلفزيون إسرائيل يعرض أي شيء عن استعدادات لحرب أو مواجهة كبرى.

خطوط تقدم الجيوش العربية عشية حرب 1967
خطوط تقدم الجيوش العربية عشية حرب 1967

وفي السادس من حزيران قيل أن الحرب قد بدأت، أما صباح الجنوب فقد كان عاديا وذهب الفلاحون إلى الحقول والتلاميذ إلى المدارس، ولكن أخبار الإذاعات العربية كانت تتكلم عن تساقط طائرات العدو وتقدم الجيوش على الجهة المصرية ولم يسمع أحد لصوت إذاعة إسرائيل الذي كان يقول بأن سلاح الجو عندها قد قام بقصف كل المطارات المصرية وأن جيوشها تقطع سيناء باتجاه قناة السويس. ولكن عند الظهر تقريبا مرت فوق مدرستنا طائرتا ميغ سوريتان على علو منخفض متجهتان صوب حيفا، على ما يبدو، فقامت القيامة وصار الكل يتحدث عن الحرب وقدرة العرب وجيوشهم، ولكن بعد الظهر بدأت الإذاعات العربية تتكلم عن “العدوان” ولم نعد نسمع صوتا لطائرات سوريا ولا لقصف المدافع البعيد، وبعد يومين صار طيران إسرائيل السوبر ميستير هو من يحلق على علو منخفض جدا حتى نرى الطيار داخل طائرته وصرنا نسمع قصفا بعيدا حول الجولان. و توضحت حقيقة الأمر بعد أيام معدودة إذ انجلت غبائر المعارك عن سقوط كامل سيناء واعتراف عبد الناصر بالهزيمة وتقديمه استقالته واعتراف الملك حسين بخسارة القدس الشريف وكامل الضفة الغربية للأردن واعتراف سوريا بخسارة الجولان بكامله وعاصمته القنيطرة وإشراف الإسرائيليين على الشام. وكان جيش سوريا الذي تحصن بالجولان ومدافعه التي، كمدافع “نفارون”، لا تقهر، قد هرب كجيوش مصر أمام الإسرائيليين، بعد أن تلاشى الضباط قبل المعركة لعلمهم المسبق بأن شيئا يحضر. ووصل إلى جنوب لبنان لواء سوري بكامله يقدر عديده بثلاثة آلاف رجل وصلوا دون قيادة وبدون سلاح وبدون تنظيم تماما كالعسكر المكسور، ولكن الذي لم يحارب، وجمع الجيش اللبناني هؤلاء وأطعمهم وأوصلهم إلى الحدود بعد أن نسق نقلهم بشاحناته مع قيادتهم في دمشق. وقامت قيامة العرب حول تحميل المسؤولية؛ ففي مصر قيل أن قائد الجيش عبد الحكيم عامر انتحر، ولم يقبل الشعب استقالة عبد الناصر حتى في شوارع بيروت، وفي دمشق شنق حاطوم وقيل بأنه مسؤول عن الهزيمة، وكان لواء عراقي قادم لنجدة سوريا قد قصفته طائرات إسرائيل بناء على معلومات إذاعة صوت العرب. كل ذلك قد قبلته الجماهير العربية، ولكن موقف لبنان لم يقبل لأنه لم يشارك في الحرب ولم يخسر قطعة أرض ليتساوى مع كل العرب في الخسارة. وقامت القيامة في شوارع بيروت وصار لبنان مجرما ودار اليسار وجماعة بعث سوريا والعراق والناصريين وكل المعزوفة تغمز من قناة لبنان الدولة، وتم وضع الخطط لتحميل أحدهم حقد الجماهير ووزر النكسة، فكان القرار السوري بالعمل الفدائي وتبنته كامل الدول، وبدأ التمويل والتدريب وشراء السلاح، فالخطة الجديدة هي محاربة إسرائيل بأعمال التخريب، ويجب أن ينطلق التخريب من لبنان…

منذ أوائل سنة 1968 نشأت منظمة في سوريا دعيت الصاعقة قوامها عناصر من الفلسطينيين من مخيمات سورية يقودهم ضباط سوريون ويتبعون مباشرة إلى قيادة الجيش السوري. هذه المنظمة وفور انتهاء تدريباتها بدأت بالتوجه نحو مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لكسب أكبر عدد من المتطوعين في صفوفها وبدأ التدريب وتهريب السلاح. وكان ياسر عرفات، الذي نشأ وتعلم في مصر قبل أن يهاجر إلى الكويت ويحاول منذ 1965 أن يقيم منظمة مسلحة تعتمد التخريب كسلاح للعمل ضد إسرائيل، قد تركز في الأردن بعد النكسة وباشر بالعمل العلني لتجميع أكبر عدد من الفلسطينيين لمنظمته، وقد قامت هذه المنظمة بعدة عمليات على الحدود الجديدة للأردن مع إسرائيل، أي على خط نهر الأردن، ما أعطى الشارع العربي، الذي كانت نكسة حزيران قد زادت فيه الحقد دون أن يعرف كيف يوجهه، أعطته هذه العمليات، مع عدم قيمتها الفعلية، نوعا من الأمل في طريقة جديدة أو قل جيل جديد من المناضلين في سبيل “القضية”. فذاع صيت أبو عمار وجاءت منظمة الصاعقة لتضيف إلى “العمل الفدائي” دفعا جديدا تدعمه سوريا. وهكذا تكون سوريا قد خرجت من خسارة الجولان بطرح جديد أنسى الشارع مسؤولية تلك الخسارة. وصار كل من يحاول أن يقف ضد هذه الموضة الجديدة يهاجم من قبل الشارع العربي الذي رأى فيها الأمل الوحيد. وقامت الدول العربية مجتمعة في قممها اللاحقة تؤيد لا بل تساند ماديا ومعنويا وبالأسلحة والتدريب منظمات مشابهة لتلك التي أنشأها عرفات وتلك التي أنشأتها سوريا. أما في سوريا فقد تقلص دور عرفات بسبب وجود منظمة تابعة للدولة أخذت هذا المكان، ولكن في الأردن صار عرفات ورجاله هم قادة الموقف وكان الملك حسين يعرف أن هذه الثورة ستأكل الأردن إذا ما كبرت ولكنه كان يريد امتصاص النقمة بعد خسارة القدس والضفة الغربية . أما في مصر حيث لا رأي إلا للدولة والجيش فلم يجد عرفات خبزا وقد كان دور المخابرات وما سمي “بمراكز القوى” تسيطر على كل شيء. أما توأم سوريا، العراق فقد أيد هذه الحركات والمنظمات ودعم إنشاء غيرها لكي يكون له كلمة في الشارع العربي سيما وأن ساحة الصراع بعيدة عن أراضيه ولكن مفاعيلها تؤثر على الجميع. وقامت دول الخليج بدفع “الخوة” لهذه المنظمات التي كانت بأكثريتها يسارية لتبعد خطرها عنها وعن الثروة التي تتنعم بها. ولم يبق في الميدان الفعلي إلا لبنان فهو لا يستطيع أن يحارب إسرائيل وقد خسر العرب مجتمعين ضدها وكل قوته هي في علاقاته الدولية ومراعاته لشروط الهدنة بالرغم من أن الجيش اللبناني قام بما طلب منه في حرب حزيران من تصحيح أهداف المدفعية السورية، ولكن السوريين لم يكونوا متحمسين للحرب على ما يبدو، وهو الذي قد بني مجتمعه ونظامه على حرية الرأي فلا يستطيع أن يتبنى الثورة ثم يقمعها، ولا يستطيع أن يجاهر بشيء ويفعل آخر، لذا فقد تحسب منذ البدء لمشروع تسليح الفلسطينيين وخاف من عواقبه، ولكنه لم يستطع الوقوف ضد كل العرب مجتمعين وهو عضو في جامعة الدول العربية.

كان البعثيون في سوريا ومنذ سيطرتهم على الحكم يحاولون، على الطريقة النازية زمن هتلر في استيعاب النمسا والسوديت(أي توظيف عملائهم وأزلامهم تحت شعارات حزبية وقومية)، يسعون إلى إضعاف استقلال لبنان والمطالبة بالوحدة مع سوريا والعراق، قد سعوا إلى نشر حزب البعث. وكان هذا قد لاقى أرضا خصبة في الجنوب وخاصة بين الشيعة الفقراء والمتعلمين منهم لأنهم يحملون في تراثهم الشيعي بذرة الثورة منذ الحسين وكربلاء من جهة وينقمون على زعمائهم الإقطاعيين من جهة أخرى، وبينما يأخذ الشيوعيون طابعا امبرياليا فقد رأوا في البعث حلا محليا يبقيهم داخل الطروحات العربية ويترك لهم هامش المعارضة. وكان العلويون في سوريا قد تبنوا طروحات حزب ميشال عفلق (البعث) ورأوا فيها وبالجيش الطريق إلى الحكم فكان طرحهم قوميا وعملهم طائفيا، وقد استطاع حافظ الأسد حفيد زعيمهم الأكبر، وبعد سلسلة من الانقلابات في سوريا، أن يصل إلى مركز وزير الدفاع، وكان تحميل حاطوم (الدرزي) مسؤولية الهزيمة في الجولان التي من المفترض أن يتحملها هو وإرساله طائرتين لقصف حيفا، قد أبعدا عنه تلك الكأس مؤقتا ولذا كان عليه أن يلهي الشارع في سوريا بطرح أكبر ويلهي السوريين عنه بقضية حساسة جدا لهم فيها من “حسد الجيران” قدرا كبيرا ومن الطمع بلبنان جانبا مهما وهم لا ينسون أبدا أن ذلك المسيطر على جبال لبنان كان دوما عدوا طبيعيا لحاكم الشام كون هذا الجبل هو موئل الأحرار وسوف يبقى الملجأ لكل متمرد عليه، فكان طرحه لحرب العصابات يشنها فلسطينيون يتبعون للجيش السوري تحت شكل “الصاعقة” ويعملون في لبنان لوجود كثير من الفلسطينيين الغاضبين هناك ويهاجمون إسرائيل من جنوبه لخلق القلاقل وزعزعة الحكم الذي يتأثر بالرأي العام كونه الحكم الديمقراطي الوحيد في المنطقة العربية. وهكذا كان فقد وصل السلاح ومعه المدربين التابعين للصاعقة وبدأت عمليات مناوشة صغيرة على الحدود يتبعها تصعيد إعلامي كبير ومظاهرات تأييد لمن سيعيد “شرف” العرب. وكان الإعلام في لبنان الأهم في المنطقة وبما أن طبيعة هذه الحرب الجديدة هي أكثر ما تكون حرب إعلام لأنها لا تقدم ولا تؤخر فقد جذب لبنان كل المنظمات وجذب معها أجهزة المخابرات العربية منها والدولية وصارت ساحة لبنان هي ساحة حرب العرب في نهاية 1968 .

كانت الدولة اللبنانية التي لم تنسى حرب 1958 بعد والشعب اللبناني وخاصة المسيحيين منهم لم يكونوا قد نسوا تدخل عبد الناصر من سوريا وتدفق الأسلحة للثوار ما قلب الموازين وجعل الحكم يلجأ إلى طلب مساعدة أميركا لوقف النزاع، يخشون هذا النوع الجديد من التدخل الذي سيعرض البلاد لمشاكل هي بغنى عنها. وكانت الدولة تحاول أن تتجنب نزاعا مباشرا مع هؤلاء المسلحين يدخلها في صراع مع سوريا التي لم تترك فرصة إلا واستغلتها للظهور بمظهر الداعم لهؤلاء وعند كل مشكلة كانت تسارع إلى إغلاق الحدود التي كانت بعد إغلاق قناة السويس أصبحت مهمة جدا كون ميناء بيرو ت صار ميناء العرب كلهم من العراق إلى السعودية والأردن ودول الخليج الأخرى في تجارتهم مع أوروبا. ولم تمر السنة الأولى إلا وقد انطلق الصراع بين الجيش اللبناني والمسلحين الفلسطينيين.

1958 USMC in Lebanon

ذهب المسلحون في حربهم ضد إسرائيل ليس فقط للقيام بعمليات على الحدود بل افتتحوا نوعا جديدا من العمليات الإرهابية التي جعلت العالم كله مسرحها وهي عمليات خطف الطائرات. وهذا النوع من العمليات جذب إلى هؤلاء أنظار العالم وجذب أيضا ردات الفعل التي تحملها لبنان. وها هو الجنوب الساحة الأساسية لهذه الحرب والسبب الرئيسي لحرب لبنان التي أحرقت كل شيء وكل مكان وهي لم تزل حتى اليوم الكأس التي يتجرعها كل لبناني…

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

الحلقة الثامنة عشرة- شرق صيدا وجزين

كانت التطورات المتلاحقة تنعكس على الساحة المسيحية في الجنوب فقد كلف عدم التنسيق مع الإسرائيليين …