الحلقة السابعة – السلم المؤقت والحرب في الجنوب


الصور ليست من كتاب الكولونيل بركات بل بحث واعداد موقع “اللبنانيون في اسرائيل”

من 23/9/1976 لغاية 22/9/1982

تسلم الرئيس الياس سركيس مقاليد الحكم خلفا للرئيس فرنجية في أيلول 1976، وقد كان سركيس انتخب من قبل مجلس النواب في حزيران. ومع تسلمه بدأت تتبلور سياسة عربية (جديدة ؟) تجاه لبنان، وكأن مقولة الطرف الآخر بضرورة “إقصاء الرئيس فرنجية من الحكم هي الشرط الأساسي لكل تغيير على الأرض” قد جرى العمل بها وتبنيها من قبل الدول العربية، التي اجتمعت في مؤتمر قمة تبعه أجواء من التهدئة سيطرت على الساحة في بيروت. وسرعان ما توقف القتال بعد أن قررت الجامعة نشر قوات الردع العربية. وقد بدأت هذه القوات التي تألفت من السوريين بشكل رئيسي بالتمركز في أحياء العاصمة، بالرغم من معارضة بعض القوى المسيحية التي رأت بأن دخول هؤلاء إلى المناطق الشرقية غير مقبول على الإطلاق، وسوف يؤدي إلى سيطرتهم الدائمة على البلد وتحويله شيئا فشيئا إلى مقاطعة سورية. وقد كان انسحاب أبو أرز من الأشرفية واعتصامه مع عدد من أعوانه ومقاتليه في جرود العاقورة موقفا بارزا لمعارضة هذا الوجود وهو الذي كان أطلق شعار معارضة وجود كل المسلحين الغرباء على كافة الأراضي اللبنانية.



وصمت المدفع حول بيروت، فقد قبلت الجبهة اللبنانية بالأمر الواقع، طالما أصبح الغطاء عربيا وليس سوريا فقط، وقد طعمت قوات الردع العربية بقوات من الأردن والسعودية ودولة الإمارات وغيرها وأصبحت تأتمر، بحسب الاتفاق، بالدولة اللبنانية. وقد عين سامي الخطيب، الذي كان أحد ضباط المكتب الثاني الذين تمت محاكمتهم في بدء عهد الرئيس فرنجية، قائدا لقوات الردع العربية بعد أن رقي إلى رتبة عميد ودون أن يتبع لقيادة الجيش بل إلى الحكومة مباشرة (وتعيين الخطيب الذي كان قد التجأ إلى سوريا بعد محاكمته، لم يجعل منه إلا قائدا صوريا تحت إمرة القائد الفعلي للقوات السورية في لبنان).


في هذه الفترة فتحت المعابر بين شطري العاصمة وعاد الناس شيئا فشيئا إلى أعمالهم المدنية. ولكن القوى الفلسطينية لم تحل، ولا جمع سلاح المخيمات، ولم يفرض على هؤلاء أي تغيير، وقد حاول السوريون أن يظهروا أن المشكل بين اللبنانيين، وأنه لا يجب أن يزج موضوع “الثورة” في حل المشكل اللبناني، ولا يجوز تسليم سلاح هذه الثورة التي وجدت لمقاتلة إسرائيل، طالما لم تحل المشكلة الفلسطينية. هنا بدأت تظهر النوايا السورية؛ فإذا كانت سوريا وقوات الردع لن تمس بما يسمى الثورة الفلسطينية وقواتها وهي بالأساس سبب الحرب المباشر، فهذا السلم ناقص لا بل سوف لن يكون أكثر من هدنة مؤقتة، ومن هنا كان لا بد من زيادة الاحتراز في الجانب المسيحي.


أما في الجنوب فقد تمكن الأهالي وعناصر التجمعات من تأمين حماية القرى التي تمركزوا فيها وتحصنوا للدفاع عنها خاصة بعد ما شاهدوا بأم العين ما حدث في العيشية التي لم تكن تجهزت لهجوم كالذي تعرضت له لا بل كان الأهالي ينتظرون وصول قوات الردع، فقد كان السوريون يتمركزون في جزين والتي لا تبعد أكثر من عشرين كيلومترا عنهم، وقد حلموا بأن الحرب قد انتهت، ولم يكن هناك مجال لمساعدتهم من منطقة القليعة التي يفصلها عنهم وادي الليطاني وعدد من المزارع. وهكذا فقد هجرت القرية ليدخلها السوريون فيما بعد ولكنهم لم يسعوا أبدا لإعادة أهاليها بل جعلوها قاعدتهم الأقرب للحدود الإسرائيلية والأمثولة لأهل الجنوب عن أن الحرب لم تنته وأنها لن تنتهي قبل أن يطأطئوا رؤوسهم ويرضخوا لشروط السوريين.


ما يسمى”قوات ردع عربية”

وتتحمل القرى الحدودية في هذه المرحلة وحدها وزر حرب ضروس، لتصبح خارجة، ظاهريا، عن كل لبنان، وكأن من خطط للحرب لا يريد إنهاءها. وكما كان الجنوب منذ البدء شرارة الحرب التي أطاحت باستقرار لبنان، فالمطلوب أن يصبح، هذا الجنوب مرةأخرى، الجرح النازف الذي سيمنع استعادته العافية، ومن ثم الشعار الذي يختبئ خلفه كل عدو للبنان لا يريد له أن يستعيد صحته، والأهم استقلاله والسيادة. وهكذا يبدأ مسلسل جديد في الجنوب حيث لا يفاوض أبناءه، ولا ينتشر الجيش ليسهم في استتباب الأمن أو يمنع التعدي عليهم ليشعروا بأن الحرب انتهت وأن البلد سيعود إلى أهله وأنه لا داعي لمواصلة الاحتراز. بل تقصف القرى وتهاجم وكأنها من بلاد أخرى وشعب غريب. ويطبّل العرب كلهم ويزمرون لمن يفتحون جبهات في الجنوب، لا بل يساهمون في دفع مزيد من المقاتلين الغرباء إلى أرض الجنوب لمقاتلة أهله. وقصة ذلك الجندي العراقي مع أحد أبناء عين إبل القادم برا من الكويت في صيف 1978 والذي يدعوه إلى الافتخار بكونه من عين إبل “بلدة الأبطال”، كما يسميها هذا الجندي، الذي يقول بأنه أرسل مع الكثيرين من رفاقه إلى الجنوب لمحاربة إسرائيل فإذا بهم يحاربون في شلعبون أبناء عين إبل، تعطينا فكرة واضحة عما كان يدور في الجانب الآخر حيث فتح الفلسطينيون، بمباركة سوريا، حربا بالاسم ضد إسرائيل “المغتصبة لأرض الجنوب” بينما كانت بالفعل ضد أهل الجنوب الذين وحدهم يتحملون وزرها.


ولم يغمض للجنوبيين جفن طيلة سنتين، وقد دفعوا بعدد من الشهداء على مذبح الوطن، بينما كان الوطن ينعم، ظاهريا، بنوع من الهدوء، وهم وحدهم يدفعون ضريبة الحقد التي يغذيها ديكتاتوريو الشرق الأوسط للمحافظة على كراسيهم وإلهاء شعوبهم عن الحكم الفاسد الذي لم يستطع أن يحقق آمالهم في التقدم والرفاهية التي تتنعم بها قلة من المحسوبين على الحكام تخاف الأفواه الجائعة فتحاول تحويل غضبها نحو “العدو”، الذي يصبح هو وحده سبب فقرها وعوزها، بالرغم من كل الثورات والإصلاحات، وكل الخطابات والشعارات الرنانة، التي لا تعرف أن تخطط لمستقبل البلاد ولا أن توجه أهلها نحو الإنتاجية والتطور، بل تبقيها دوما مشروع ثورات تحلم بالخلافة التي تحقق العدل وتوزع الأغنام وتعيد لها الحق في أن تتصدر المجالس وتنعم بالخير من دون جهد سوى “الجهاد في سيل الله”، وهذا ما سوف يصبح شيئا فشيئا، ومن خلال أحداث لبنان، حلم شعوب الشرق الأوسط، بعد أن يتمكن المحيط من إطفاء وهج هذا المشعل المتقد الذي كان يزين هذا الشرق الأوسط، بالمبادرات الفردية وبالجهد المتواصل والانفتاح على الآخرين أينما كانوا وبدون عقد، من أجل التقدم والتطور وتحسين الأوضاع واللحاق بركب الحضارة، التي تتطلب الاستقرار أساسا، ومناخ الحرية والديمقراطية التي تحاسب المسؤول وتجعله يراجع كل خطوة وعمل قبل أن يقدم عليه.


بعد أن استطاعت سوريا فرض سيطرتها على كل المناطق الشرقية راحت تسعى للقضاء على مصادر السلاح الذي قد يستخدمه المسيحيون، فهي تعلم أنها لن تقدم لهم ما يريدون وسوف يطلبون منها سحب جيوشها عاجلا أم آجلا. فحاصرت قيادة الجيش بألوية مدججة من الجيش السوري وحاولت عزل كل الضباط الأحرار. فعين قائد جديد للجيش وتمت بعض التشكيلات بالضغط حينا وبالتملق أحيانا، كما عزلت المناطق الشرقية عن بعضها بواسطة حواجز ومراكز قوات الردع. ثم حولت الأنظار إلى الجنوب ودفعت بكل جماعاتها المسلحة لقتال القرى الحدودية تحت شعار محاربة إسرائيل وعملائها. وهكذا فقد حاصرت المسيحيين بواسطة الردع والدولة على السواء، فيما فسحت المجال للفريق الآخر بالإبقاء على سلاحه وجهوزيته وتدريبه ومعنوياته في ما أسمته الحرب ضد إسرائيل، وبنفس الوقت أحرجت المسيحيين ومنعت عليهم مجرد التفكير بالانفتاح على إسرائيل من جهة، ووجهت إصبع الاتهام بالعمالة والخيانة لكل من قد يسعى للتزود بالسلاح من الدولة العبرية، من جهة أخرى. وهكذا يكون أسد الشام قد التف على الثغرة التي فتحها المسيحيون، مرغمين، مع إسرائيل للتزود بالسلاح، والتي كانت أملا لهم لعدم الرضوخ لشروط سوريا التي لا بد ستصل بهم إلى تنفيذ حلم البعث بالسيطرة على لبنان وهضمه.


ويبدأ مسلسل طويل ومضني من المعاناة في القرى الحدودية فقد دفع بأفواج الحاقدين من كل صوب لمحاصرة هذه القرى المعزولة، ولكن هذه المرة كان ظهر هذه القرى محميا فلم ترضخ للتهديد وقد انتشر أبناؤها يسدون المنافذ والأودية على كل متسلل غريب يريد لهم السوء. وقد تجند الصغار والكبار ووقفوا حراسا حول قراهم وبيوتهم. وكان الضغط العربي قد منع على إسرائيل أن تمدهم بالسلاح ولكنه لم يستطع أن يمنع عنهم الإمدادات الإنسانية ولا أغلق البوابات. وقد كانت الأقمار الاصطناعية الأميركية والروسية على السواء ترصد كل تحرك حول هذه البوابات وتمنع على الإسرائيليين تزويد الأهالي بالسلاح والذخيرة أو دخول أي جندي إلى الأراضي اللبنانية ولذا فقد كان على الأهالي أن يستقدموا السلاح ليلا وبشكل سري عند الحاجة.


الرائد سعد حداد وبداية اقامة المناطق الحرة

ومع بدء عام 1977 يزيد الضغط على القليعة من جهة الخيام التي يمنع المسلحون فيها، كما قلنا، على الأهالي التوجه إلى السهل، فيقرر الرائد حداد وعسكريي تجمع القليعة الهجوم على الخيام وطرد الفلسطينيين منها، ويتم لهم ذلك بالتفاهم مع العسكريين في ثكنة الخيام. ويهرب الفلسطينيون وأعوانهم وتصبح الخيام ضمن المنطقة الحرة وتقوى المعنويات وتحصن مرجعيون. ويحاول الرائد حداد، الذي يتفاهم مع أهالي العديسة والتي تدخل أيضا ضمن المنطقة الحرة، أن ينتشر جنوبا لتحرير الطيبة معقل بيت الأسعد وحيث كان الفلسطينيون وأعوانهم قد نبشوا قبور الزعماء من بكوات بيت الأسعد وقتلوا حراس قصر الطيبة ما يرمز إلى إنهاء دور هذه الزعامة الشيعية التي واكبت لبنان وجنوبه مدة 400 سنة، ولكنه يصطدم بمقاومة كبيرة وقرار سوري للحرب في الجنوب. ويصاب الرائد حداد في هذا الهجوم ولكنه ينقل بعملية لا تخلو من الخطر إلى المستشفى لينجو من الموت.


أما في مثلث عين إبل – رميش- دبل فيتحصن الأهالي على سطوح المنازل والتلال القريبة لدفع شر “الأشقاء” ووقف الاعتداءات، ويتساقط الشهداء دفاعا عن الأهل، وترتوي الأرض مجددا بدم أبنائها الأبرار. وإذ تقع دبل برمتها تحت نار العدو المتمركز في رشاف، يصبح التحرك بين بيوتها عملا عسكريا، ونشل الماء من البئر خارج المنزل مغامرة كبرى، فكيف بمساعدة جريح أو نقل مصاب؟ ويتم دفن الموتى والتنقل داخل الأحياء تحت جنح الظلام. ولا يستسلم رجال البلدة بالرغم من عدد الإصابات بل يتمركزون على التلال المحيطة ويمنعون العدو من استهداف البيوت بالقنص فيلجأ هذا إلى القصف.


وفي عين إبل التي تحميها التلال يصبح القصف العشوائي أيضا الخبز اليومي للأهالي فيسقط على بيوتها وكنائسها والدير أكثر من 25 ألف قذيفة خلال سنة 1977 وبداية 1978. وتحظى علما في الغرب أيضا بنصيبها من القصف والقنص وتصبح وحيدة معزولة إلا من الباب الجنوبي الذي يؤدي إلى كيبوتس “حانيتا”.


وتمر سنة 1977 بكاملها والجنوب يرزح تحت حمل الحرب والقصف فيهرب من يستطيع من الأهالي إلى المناطق الشرقية بوسائل وطرق لا تخلو من الذل والخطر فيلجأ الناس كلما قطعت طريق إلى استنباط طريق جديد ويتعرضون للخطف والتوقيف والإهانة. ويصبح توقيف أحد الجنوبيين على حاجز للفلسطينيين وأعوانهم نصر للثورة لا بل للأمة العربية. ويصبح كل الجنوبيين خونة وعملاء في الطرف الآخر. بينما تفتح إسرائيل مستشفياتها لتوليد نسائهم وتطبيب مرضاهم وتضميد الجراح، وأسواقها لكي يشتري هؤلاء حاجاتهم، وتفسح المجال للمحتاجين منهم بالعمل في المناطق القريبة من الحدود. ويدخل لأول مرة في قاموس المنطقة تعبير عمال المصانع وتلتحق بعض النساء للعمل في هذه المصانع، ويصبح نقل العمال إلى البوابات صنعة جديدة، ويعرف تجار المنطقة الصغار أسواقا وبضائعا لم يروا مثلها من قبل، ويدخل إلى المحلات في القرى أنواع من المنتجات، بالرغم من الحصار والقلة، لم يسمع بها أبناء المنطقة الحدودية. ولكن الجهد الأساسي لكل هؤلاء كان الدفاع عن قراهم فقد تجند الصغار والكبار ووصلت الوجبات الساخنة إلى المراكز الأمامية مجبولة بكل محبة الأمهات وخوفهن على فلذات الأكباد الرابضين يردون عنهم الظلم ويدفعون بدمائهم شر الأشقاء وأحقادهم.

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

الحلقة الثامنة عشرة- شرق صيدا وجزين

كانت التطورات المتلاحقة تنعكس على الساحة المسيحية في الجنوب فقد كلف عدم التنسيق مع الإسرائيليين …