الحلقة الحادية عشرة – الخيارات الكبرى

لا مشكلة أساسية بين الشعبين في لبنان وإسرائيل

في السنوات التي تلت نشوء لبنان الحر في الجنوب بقيادة الرائد حداد أصبح الجنوب واقعيا أحد الأرقام المهمة في المعادلة اللبنانية. ولم يعد “مكسر عصى” لأحد ولا ممرا للمخربين أو مسرحا للبكاء على أطلال العروبة المتداعية أو مادة استرزاق لجماعات “المحرومين” الذين جعلوا من مجلس الجنوب بابا للإثراء الشخصي وهدر المال العام. وقد ثبتت مقولة أن لا مشكلة أساسية بين الشعبين في لبنان وإسرائيل سوى ما كان يفرضه تضامن اللبنانيين مع العرب. وإذا بهؤلاء وعلى اختلاف مشاربهم يسعون للتعرف إلى هذا الجار والتعاون معه في جعل السلام حقيقة واقعة بين الشعوب هنا في وقت لم تكن فيه كذلك بين الدول كما كانت على الجهة المصرية.

ثلاثة أحداث مهمة أثرت في تقلبات الأوضاع في المنطقة خلال هذه الفترة وهي:

مقتل السادات على أيدي الإرهابيين ما سيجعل القادة العرب الآخرين يهابون الموقف فتتعثر مسيرة السلام ويكسب معسكر الرفض جولة جديدة، ولو أن مسيرة السلام هذه كانت قد أعادت لمصر كامل سيناء ووضعت الأسس للحل مع الفلسطينيين. وهكذا تهلل سوريا لسقوط “الخائن” وتقوى “جبهة الصمود والتصدي” ويفقد كثيرون الأمل من أن الحل في لبنان سيأتي سريعا مع السلام في الشرق الأوسط.

الحدث الثاني كان معركة الأشرفية التي نتج عنها خروج السوريين من المناطق المسيحية وصدور قرار من مجلس الأمن الدولي حمل الرقم 436 منع عليهم العودة إلى هذه المناطق. وكانت القوات السورية، التي تركزت في كافة المناطق الشرقية وخاصة في الأشرفية، قد نشرت قواتها الخاصة التي توزعت على كل مفترق طرق وداخل كل حي وبدأت بالتضييق على المسيحيين محاولة القضاء على العنفوان الذي كان لا يزال يملأ المنطقة. فما كان من بشير، وبعد أن طفح الكيل، إلا القتال دفاعا عن النفس والكرامة لإخراج هؤلاء السوريين من الأحياء المسيحية في معركة عنيفة استعمل فيها السوريون كل طاقاتهم وأسلحتهم ليدكوا المناطق الشرقية دون استثناء، وقد عزلوا الأشرفية وحاصروها وسكبوا جام غضبهم عليها؛ مدافع وصواريخ من كافة العيارات. ولكن المعركة انتهت بخروجهم هم من المناطق الشرقية مطأطئ الرأس. وهكذا وبالرغم من كل الضغوط وبالرغم من تجمع العرب عليهم، صار للمسيحيين منطقة حرة تمتد من وسط بيروت وكفرشيما إلى أعالي قمم السلسلة الغربية وتصل شمالا حتى بلاد البترون، لأن السوريين كانوا قد توصلوا قبل ذلك إلى خلق جرح كبير بين زعامة فرنجية في الشمال وزعامة الجميل وبالتالي الجبهة اللبنانية ما حيّد زغرتا ومنطقتها وجعلها تخرج عن الإجماع المسيحي في رفض الهيمنة السورية.

في نهاية 1978 إذا، كان في لبنان منطقتين تخرجان عن الهيمنة السورية وهما: لبنان الحر في الجنوب والمنطقة الشرقية في الوسط. وبينما مد الرائد حداد يده علانية لإسرائيل للتعاون والمساعدة، كان التعاون بين إسرائيل وبيروت الشرقية سريا ويقتصر على شراء السلاح وبعض المعلومات الأمنية والمخابراتية. وبالرغم من قناعتهم، بأن السلام مع إسرائيل وإنهاء حالة الحرب يخلص لبنان من أغلب مشاكله كما يريح الشرق الأوسط كله، إلا أن المسيحيين في المناطق الشرقية لم يقبلوا بالمجاهرة بأي تعاون مع هؤلاء الإسرائيليين. وقد كانت هذه النقطة بالذات نقطة ميزت العلاقة بين القيادتين في المناطق التي خرجت عن الهيمنة السورية. وبينما رأى الرائد حداد بأن مسيحيي لبنان لا يجب أن يكونوا أكثر عروبة من مصر، وهم الذين عانوا من الفلسطينيين والعرب وتدخلهم في شؤونهم أكثر من مشاكلهم مع إسرائيل، وعليهم بالتالي أن يستغلوا وجود الدولة العبرية واتفاقها مع مصر ليضغطوا، بانضمامهم إلى قطار السلام، كي يخرج السوريون من كافة المناطق اللبنانية، ما يؤدي لاستعادة سيادة لبنان وطرد المسلحين الغرباء من الفلسطينيين والمرتزقة الذين خربوا البلد، كان الرأي في الشرقية بأن التعاون مع الإسرائيليين لمصلحة لبنان لا يضر، ولكن المجاهرة به تضر دون أن تفيد. وكان بعض المنظرين السياسيين في المنطقة الشرقية يقول؛ بأن إسرائيل تريد إعطاء عرفات دولة في لبنان لتتخلص منه، ولذا فإن أي تعاون معها سيؤدي في النهاية إلى تنفيذ هذا المخطط.

أراد بناء دولة قوية تستطيع أن تحمي الوطن والمواطن

لا شك بأن هذا التباين في المواقف فتّر العلاقة بين لبنان الحر في الجنوب والمناطق الحرة في قلب لبنان، وجعل التعاون بينهما، حتى في الأمور السياسية المطروحة، غير واضح. وبالرغم من أن سياسة الرائد حداد كانت تصب في اتجاه تحرير لبنان من الهيمنة السورية ونزع سلاح الفلسطينيين وأعوانهم وبناء دولة قوية تستطيع أن تحمي الوطن والمواطن من تسلط الجار وتدخله ومن الفلتان الذي أحدثه تدفق السلاح على المنظمات الفلسطينية وأعوانها، وهو ما كانت تطالب به الجبهة اللبنانية، إلا أنه لم يتلق دعما علنيا من قيادة هذه الجبهة أو مطالبتها للدولة، مثلا، تصحيح وضع أبناء المنطقة الحدودية أو فتح طريق اتصال آمن لهم، ولو عن طريق البحر، أو حتى تركيب وسائل اتصال بين الأهالي في المنطقتين.

يقول البعض بأن المسيحيين كانوا في موقف شديد الدقة فقد كان السوريون وحلفاءهم في لبنان ينتظرون أي مبرر للانقضاض عليهم مجددا بينما لم ينجح معسكر السلام في اجتذاب الدول العربية لدخوله خاصة بعد مقتل السادات. ويدعي آخرون بأن إسرائيل لم تكن ترضى بتدخل أي كان في موضوع جنوب لبنان لكي تبقي هي على سيطرتها فيه وتمسك وحدها بورقته. كما يزيد البعض الآخر على ذلك بأنه لا داعي للتنسيق مع حداد كونه يأتمر بالإسرائيليين الذين لنا معهم اتصالات وتنسيق. ويقول أعداء بشير بأن سبب عدم التنسيق الواضح بين المنطقتين يعود لعدم سماح حداد بقيام ميليشيات في الجنوب ما قلص تأثير الأحزاب في المنطقة. ومن جهة أخرى يرى البعض بأن العربية السعودية ودول عربية وإسلامية أخرى لعبت دورا مهما في هذه المرحلة لمنع أي مجاهرة بالتعاون والتنسيق بين اللبنانيين وإسرائيل أو حتى حداد. وهنا لا بد من الإشارة إلى كلام منسوب للرئيس سركيس بأن أخطر شخصية ساهمت في إطالة الأزمة في لبنان كانت السفير السعودي “علي الشاعر”، وقد يكون هذا الكلام صحيحا لأن التطرف الوهابي وامتلاكه المال من جهة، وحاجة اللبنانيين لدول الخليج كمجال عمل وكسوق من جهة أخرى، جعلا القيادات اللبنانية حساسة تجاه السعوديين.

الحدث الثالث كان غياب أو تغييب الإمام موسى الصدر الذي كان له شديد الأثر على المجتمع الشيعي والذي سيفقد غيابه شخصية لبنانية محورية ساهمت في لملمة الطائفة الشيعية وجعلها عنصرا مهما في القضية اللبنانية.

كان الإمام الصدر بالرغم من تنسيقه مع السوريين في مواقف عدة، ذا شخصية قوية استطاع أن يجمع أبناء طائفته الذين تبعثروا بين المنظمات الفلسطينية والأحزاب اليسارية في بداية الحرب، مقدمة ليكون لهم دور مركزي في الساحة اللبنانية لا بل

لذلك اعتبرت انذاك "قوات غير معادية".

الشرق أوسطية. ولم يرق هذا الموقف للسوريين دائما، كما لم ينل الرئيس الأسد ما كان يصبو إليه من الإمام؛ وهي الفتوى بأن العلويين جزء من الشيعة، ولذا فقد غاب الإمام بين الشام وطرابلس أو بين طرابلس وغيرها من العواصم، لتفقد ليبيا تأثيرها على الأرض اللبنانية، بالرغم من كل ما دفعت من أموال ومرتزقة، وحتى اشتراكها بقوات الردع، وتهجّم القذافي على المسيحيين. ويفقد الشيعة رأسهم ويهيمون لفترة في ضياع يستغله السوريون ليمسكوا شيئا فشيئا بقيادة أمل بواسطة تيار البقاع، حيث لهم التأثير الأكبر، ويطلقون جماعتهم للضغط على شيعة الجنوب ليتم ترويضهم ولملمتهم تحت الجناح السوري. في هذه الفترة وبسبب الضغوط الفلسطينية على جماعة أمل في جويا يهرب مسؤول الحركة في البلدة حيدر الدايخ ويلتجئ إلى لبنان الحر، فيستقبله الرائد حداد ويسكنه في بنت جبيل ويصبح حيدر هذا رمزا للتعاون بين أمل في الجنوب وجيش لبنان الحر. ويكبر الاتصال وتزيد المساعدات التي يطلبها حيدر من قيادة جيش لبنان الحر ويسلمها بدوره لعناصر الحركة لكي يستطيعوا حماية أنفسهم في منطقة عاد الفلسطينيون للسيطرة عليها بالرغم من تواجد القوات الدولية فيها. وهكذا يعتبر جيش لبنان الحر والإسرائيليون عناصر أمل في الجنوب في تلك الفترة “قوات غير معادية”.

من جهة أخرى تبدأ في إيران الأحداث والقلاقل التي ستؤدي إلى زعزعة حكم الشاه الذي كان يعتبر في فترة ما أحد أقوى حلفاء الغرب في المنطقة والذي سينتهي بسقوط الملكية في أيران ليحل محلها “حكم الولي” في رجعة إلى أيام الخلفاء لا بل إلى حكم ديني متعصب ومتسلط هو الأكثر راديكالية وأصولية وتطرف في زمن الانفتاح العالمي. هذا الحكم الجديد الذي يريد تصدير “الثورة الإسلامية” إلى كل مكان انطلاقا من الشرق الأوسط، وطبعا من ساحته الأولى لبنان، حيث يسهل التأثير على الشيعة فيه الذين ينتمون إلى نفس الطائفة ولم يعرفوا بعد ماذا يريدون في بلد غير مستقر ومفتوح على كل التوجهات والتيارات والاحتمالات، هذا الحكم الجديد يصطدم إذا، ومنذ أيامه الأولى، بالعراق ما يؤثر على الساحة اللبنانية أيضا بأن تطلق يد سوريا في الوسط اليساري كليا، (لأنه كان للعراق أيدي ومنظمات تابعة على الساحة اللبنانية؛ من البعث العراقي إلى جماعة أبو نضال وأبو العباس وغيرهم). وهكذا وبعد خروج ليبيا من الملعب اللبناني وإلهاء العراق بحربه مع إيران وعزل مصر بموضوع السلام و”جبهة الصمود والتصدي” تنفرد سوريا بالقرار على الساحة اللبنانية بدون منافس ويسهل التلاعب بالأرض وفرض الأمور أكثر فأكثر.

في بدء الحرب العراقية الإيرانية يقف السوريون على الحياد في العلن كي لا يغيظوا العرب وخاصة السعودية وجماعة الخليج (مصادر التمويل) الذين كانوا يرون بهذه الثورة خطرا عليهم وبأن حرب صدام حسين على إيران هي الحرب الوقائية التي ستؤخر الهجوم الفارسي والتمدد الشيعي والثورة الأصولية التي قد تطيح بالبيوت الحاكمة في بلاد النفط. ولكن السوريين في قرارة نفوسهم كانوا يؤيدون إيران ضد العراق، فالهاء صدام حسين يعطيهم المجال للتحكم بالساحة الشرق أوسطية وبالانفراد بالموضوع الفلسطيني واللبناني الذين يشكلان في النهاية “قضية العرب” ومصدر الابتزاز. من هنا كان عليهم المضي في حربهم المحدودة ضد إسرائيل. وهكذا تطلق في الجنوب سلسلة جديدة من العمليات ضد جيش لبنان الحر تقوم بها المنظمات الفلسطينية بإشراف غرفة العمليات الموحدة للجيش السوري وما يسمونه ب”الحركة الوطنية” وتقوم هذه على عمليات التسلل وزرع الألغام على الطرق في حرب عصابات محدودة تجعلهم يسيطرون أكثر فأكثر على الأرض دون أن يغيظوا الإسرائيليين بشكل كبير إذ إن عملياتهم تتم ضد جيش لبنان الحر وسكان المنطقة الحدودية وليس داخل الحدود الإسرائيلية.

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

الحلقة الثامنة عشرة- شرق صيدا وجزين

كانت التطورات المتلاحقة تنعكس على الساحة المسيحية في الجنوب فقد كلف عدم التنسيق مع الإسرائيليين …