الحلقة الثالثة عشرة – التصعيد

شهدت الساحة الجنوبية تدرجا في تصعيد العمليات ضد “لبنان الحر” وكانت هذه قد بدأت بزرع ألغام على طرق المراكز العسكرية، وكان المخربون يتبعون طرقا جديدة في زرعها كلما طور الجيش وسائل لكشفها. كان تنفيذ هذه العمليات يتم من قبل مجموعات صغيرة من الفلسطينيين لا تتجاوز أحيانا الثلاثة عناصر. وكان يجري معظمها في أماكن تقع على حدود المنطقة حيث لم يكن “جيش لبنان الحر” يقوم بدوريات أو كمائن في المناطق التي تسيطر عليها قوات الطوارئ الدولية ما سهل التسلل، خاصة وأن المنطقة تكثر فيها الأحراج والتضاريس الطبيعية.

في بدء انتشار القوات الدولية كانت عناصرها تقوم بدوريات وكمائن لتوقيف المسلحين ومصادرة أسلحتهم، وذلك من أجل تنفيذ مهمتها التي تقوم على بسط سلطة الدولة “وحدها” حتى الحدود، أقله داخل منطقة عملها، ولكنه عندما بدا واضحا لهذه القوات أن الدولة اللبنانية لا يهمها وقف هذه العمليات، وجدت نفسها تقوم بتمثيلية هزلية لن تؤدي أبدا لحل القضية لا بل إلى التصعيد، وإذا بها تنسحب الواحدة تلو الأخرى. فبعد سحب الكتيبة الفرنسية من جيب صور، ها هم الهولنديون ينسحبون أيضا، وتخف همة الإيرلنديين الذين فرض عليهم الوزير اللبناني “محمد شعيتو” معركة مع “الرائد حداد” حول بلدته “الطيري”، التي تقع داخل “لبنان الحر” والتي أرادها أن تخرج منه بالقوة، ما أدى إلى توتر دائم حولها، بالرغم من تنازل “الرائد حداد” عنها، لتصبح الأحراج التي تحيطها ممرا للمخربين يستعملونه، تحت عيون القوات الدولية، لزرع الألغام على طريق رشاف، ما جعل هذه المنطقة نقطة ساخنة كلفت الجنوبيين عددا كبيرا من الشهداء والجرحى، ولم تهدأ إلا يوم تمركز “جيش لبنان الحر”، بعد إحدى العمليات التي ذهب ضحيتها أربعة جنود بسلسلة من الألغام التي زرعت على طريق رشاف، في مرتفع “شقيف النمل” قاطعا طريق التسلل بين “حداثا” وأحراج “الطيري”. وقد دفع الإيرلنديون أيضا ثمن مواجهتهم العناصر المتسللة من الفلسطينيين إذ خطف لهم هؤلاء ثلاثة جنود في منطقة دير انطار لم يعرف مصيرهم.

هذا التصعيد الذي بدأ بالألغام أظهر هشاشة الوضع وعدم جدية الدولة، كما قلنا، وأجهض جهود القوات الدولية لتصبح شاهد زور على عودة سيطرة عرفات وجماعته، ومن خلفهم السوريين، على الأوضاع، وعودة العمليات العسكرية، التي أخذت تتطور؛ من زرع الألغام، إلى القصف الصاروخي والمدفعي، الذي أعاد الأهالي إلى أجواء حرب السنتين، ثم إلى المدفعية الطويلة المدى التي تطال، ليس فقط القرى الإسرائيلية على الحدود، إنما مدنا كبرى نسبيا مثل “نهاريا” و”صفد” و”كريات شمونة”.

وكان الفلسطينيون قد أعادوا سيطرتهم شيئا فشيئا داخل مناطق تواجد الأمم المتحدة، وأصبحت “ياطر” مثلا مركزا لجماعة “الجبهة الشعبية” تنطلق منها العمليات نحو “بيت ليف” كما كانت “حداثا” مركز انطلاق العمليات نحو “رشاف”، و”برعشيت” مركز العمليات ضد “بيت ياحون”، و”المنصوري” ضد البياضة وغيرها من المراكز. ثم نصبوا المدافع الميدانية من عيار 130 مم في منطقة “القليلة” لتقصف “علما” ومحيطها والتي تطال “نهاريا”.

ويعود الوهج لهذه المنظمات وتسيطر على بعض المناطق وتزرع أزلامها حيث استطاعت، ولكن وجود القوات الدولية يسمح ببقاء بعض القرى خارج هذه السيطرة، ويشعر المواطنون بسيطرة هؤلاء المسلحين وبقدرتهم على اختطاف أي كان بالرغم من وجود القوات الدولية، وهذا ما يحدث بالفعل لثلاثة موظفين في شركة الريجي من قرية رميش كانوا يعملون في تبنين لشراء موسم التبغ وقد اختطفوا ونقلوا إلى بيروت ولم يعودوا إلى أهاليهم إلا بعد أشهر من المفاوضات والوساطات مع أصحاب الشأن.

هذه العودة إلى لعب دور “المقاوم” ضد “لبنان الحر” تنعكس على الداخل اللبناني حيث تعظم معنويات “القوات المشتركة” ويبدأ هجوم من نوع آخر على المناطق الشرقية، تقوده المخابرات السورية، وتستعمل فيه كل الوسائل لزعزعة الأمن في هذه المناطق، وتصبح السيارات المفخخة والخوف منها الشغل الشاغل للناس، ويأخذ الشك مجراه بين المجموعات التي تقاتل جنبا إلى جنب، كما تصبح السيطرة على الأحياء موضوع نزاع أحيانا.

وبعد مخاض عسير لم يخلو من التضحيات، تتم ولادة القوات اللبنانية في بيروت بعملية جراحية تكلف عددا من القتلى والجرحى وتكاد تقسم المجتمع المسيحي في الشرقية، لولا الموقف المشرف للرئيس شمعون الذي قبل بالاستمرار في ترأس الجبهة اللبنانية، بينما أصبح بشير القائد الفعلي والوحيد للقوات اللبنانية الموحدة.

ويسعى بشير أولا لضبط الوضع الداخلي في الشرقية، ثم لنقل المعركة إلى عقر دار السوريين في البقاع. وتصبح زحلة، وهي أكبر مدينة مسيحية في الشرق، مركز المقاومة ضد السوريين، وتصلها الإمدادات من الجبل، ويتكاتف أبناؤها مع عناصر القوات اللبنانية التي تدافع عن المدينة، فيثور السوريون ويصبوا جام غضبهم؛ مدافع وصواريخ تدك المدينة، ولا تفرق بين المعاقل العسكرية والبيوت، ولا تستثني المدارس والكنائس والمستشفيات، ويقطع السوريون طرق الجبل باستعمال المروحيات لإنزال الفرق الخاصة، ويشكل هذا التطور باستعمال سلاح الطيران خرقا للخطوط الحمر بين إسرائيل وسوريا، وقد تكون القوات اللبنانية اعتمدت على أن سوريا لن تجرؤ على استعمال الطيران وخرق الاتفاق مع الإسرائيليين، ولكن، وبالرغم من قيام المروحيات السورية بعمليات الإنزال على التلال التي تفصل زحلة عن جبال صنين، لم يسجل اعتراضا علنيا لإسرائيل أو قيامها بأي عمل مباشر لوقف هذا الخرق. وتصمد المدينة بالرغم من الحصار والهجومات أشهرا متواصلة. ويحاول الرائد حداد الضغط على صيدا لفك الحصار عن زحلة، فيقوم بقصف محيطها.

وتنتهي قضية زحلة التي كان المسيحيون يتأملون أن تأخذ اهتماما دوليا يحميها من تدخل السوريين، كما حصل في الأشرفية، بحل قبل به المفاوض عن زحلة النائب الياس الهراوي، ويقضي بانسحاب المقاتلين الذين وصلوا إلى المدينة من بيروت وعدم دخول الجيش السوري إلى المدينة، على أن يكفل الأمن فيها قوات الدرك اللبناني. وفي هذه الأثناء يقوم الطيران الإسرائيلي، متأخرا، بإسقاط مروحيتين سوريتين قرب زحلة، في إشارة ربما للخطوط الحمر، أو قد يكون لإفهام المعنيين بأن إسرائيل قادرة على ضرب الطيران السوري عندما ترغب بذلك.

بعد انتهاء موضوع زحلة بهذا الشكل، تزداد معنويات جماعة عرفات في الجنوب، وتزيد الاعتداءات والقصف، بسبب أو بدون سبب، على الأراضي الإسرائيلية، وتبدأ إسرائيل بالتشدد في لهجتها وقصف أهداف المخربين في لبنان. ويقوم الطيران الإسرائيلي بالتحليق وبقصف بعض المراكز العسكرية للفلسطينيين، ولكن الأمور لا تهدأ. وتقصف إسرائيل، بعد إحدى عمليات القصف الفلسطيني، كل الجسور المؤدية إلى الجنوب لعزل المنطقة والضغط على أصحاب الشأن لوقف الاعتداءات وإبقاء اللعبة لبنانية داخلية، ولكن السوريون يرفضون هذا الضغط ويعتبرون بأن الطيران الإسرائيلي هو المشكلة، فيقررون إدخال صواريخ مضادة للطيران إلى لبنان ونصبها في البقاع لتغطي بمداها الأجواء اللبنانية.

وتصبح كل الطائرات الإسرائيلية معرضة للصواريخ السورية، ويبدو السوريون جادين بمنع الطيران الإسرائيلي من التحليق في الأجواء اللبنانية. وبينما تعمل المكنة الديبلوماسية الإسرائيلية عملها للضغط على سوريا لسحب صواريخها من لبنان، يقوم سلاح الطيران الإسرائيلي بإطلاق طائرات استطلاع بدون طيار لدرس طرق عمل هذه الصواريخ والموجات التي تستخدمها راداراتها للسيطرة على عملية التوجيه. ويسقط السوريون هذه الطائرات الواحدة تلو الأخرى، وتعظم معنوياتهم ومعنويات جماعاتهم في لبنان، ويصبح القصف المدفعي والصاروخي للمدن الإسرائيلية عملية طبيعية، سيما وأن الطيران لم يعد قادرا على التحليق.

ويستمر هذا الوضع حتى حزيران 1982 حيث تقرر إسرائيل إنهاء هذا الوضع الشاذ ووقف التعرض لسكانها بالقصف المدفعي والصاروخي من قبل الفلسطينيين في جنوب لبنان.

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

الحلقة العشرون والاخيرة– الثمن الجديد بانتظار الفرج

زاد جيش لبنان الجنوبي بقيادة اللواء لحد من التنظيم والتدريب وصهر المتطوعين الجدد من أبناء …

اترك رد