الحلقة السابعة عشرة – حزب الله


بينما كانت سوريا تحشد كل إمكانياتها العسكرية والسياسية والإستخبراتية في معركة إعادة السيطرة على لبنان، كان الحرس الثوري الإيراني يقوم بتحضير الأرض لثورة شيعية من نوع آخر. فالقيادة الإيرانية كانت لها أهدافها في لبنان وهي التي كانت تواجه بكل عنف على الجبهة العراقية لوقف التمدد الفارسي باتجاه الخليج ومنع امتداد الثورة إلى شيعة العراق الذين يشكلون الأكثرية في بلد يحكمه حزب البعث العلماني، ظاهريا، ولكنه تشكل فعليا من قوى سنية متجانسة مع المحيط في الخليج وأكثرية الدول العربية. ولما كان الحكم العلوي في سوريا، الذي تخفى كزميله العراقي تحت مظلة البعث ليحمي حكم الأقلية العلوية، أقرب إلى المذهب الشيعي منه إلى السني – لا بل فقد كان الرئيس الأسد حاول، كما سبق وقلنا، أن ينال فتوى من الإمام موسى الصدر بأن العلويين هم جزء من الشيعة ليبقي على نوع من الشرعية لطائفته التي كان بعض الأئمة المسلمين كابن تيمية قد اعتبروها خارجة عن الدين ما سمح باضطهادها زمنا طويلا – فقد كانت له مصلحة كبرى بالتقرب من حكم الأئمة الجديد في إيران والتحالف معه.


كان الحكم في سوريا على خلاف مع زميله العقائدي في العراق، وها هو العراق يقاتل الإيرانيين، إذا فالتحالف مع إيران ضد النظام في العراق هو أول الأهداف لبعث الشام، لأنه إذا ما ضعف البعث في العراق فإن للبعث في الشام الأفضلية للسيطرة، بواسطة مجموعات بعثية، على العراق، بنفس الطريقة التي سيطر فيها على لبنان. فخلق الفوضى وعدم الاستقرار في العراق سيساعده على توظيف عدد أكبر من البعثيين في هذا البلد للعمل معه، سيما وإنه متحالف مع إيران ويمكنه أن يؤمن نوعا من الاستقرار بعد سقوط حكم البعث العراقي، وهو بواسطة هؤلاء البعثيين العراقيين، وبعد سقوط صدام، المنتظر، إثر الهجوم الإيراني، سيصبح المنقذ للعراق وسيؤمن ولاء العراقيين له وبنفس الوقت يكون قد حقق حلم البعث بالسيطرة على لبنان وسوريا والعراق ولا يبقى له إلا فلسطين والأردن، بينما يصبح نظام صدام هو نظام المغامر الذي خسر البلد.

من جهة ثانية كانت إعادة السيطرة على لبنان هي من أهم أهداف هذا النظام، وإذ رأى أن الشيعة، الذين شكلوا وقود الحرب على أكثر الجبهات التي أحدثها منذ 1976، قد استقبلوا الإسرائيليين كمنقذ من السيطرة الفلسطينية، وها هي حركة أمل تنسق أمنيا مع الإسرائيليين، لا بل يلتحق عناصرها بجيش لبنان الجنوبي بقيادة الجنرال لحد، كان لا بد له من خرق هذا التفاهم والقيام بهجومه المضاد في هذا الاتجاه.

وبالرغم من أن نظام البعث في سوريا كان يحاول أن يقدم نفسه على أنه علمانيا، وقد ضرب الحركات الأصولية كالإخوان المسلمين في سوريا بشكل عنيف، إلا أنه هنا في لبنان شجع الأصولية الشيعية التي قادها الحرس الثوري الإيراني. وقد بدأ هؤلاء بتدريب فصائل شيعية في البقاع حيث سيطرة السوريين، ثم راحوا ينشرون ثقافة التدين التي حاول اليسار اللبناني أن يبتعد عنها كثيرا، حتى أنها كانت تبدو كإهانة في زمن سيطرة هؤلاء على الساحة اللبنانية فهم هاجموا المسيحيين لأنهم أظهروا أحيانا عن احترام للدين وتقيد ببعض مبادئه.

الحرس الثوري الايرانيبدأ انتشار الثقافة “التدينية” (كي لا نقول الأصولية) الإيرانية في المناطق التي سيطر عليها الحرس الثوري بفرض مظاهر هذا التدين والتي أولها فرض الحجاب على النساء. كان هذا الموضوع بالذات مضحكا بالنسبة للبنانيين فالتدين لم يفارق اللبنانيين في تاريخهم ولكن هذا الشكل من المظاهر كان قد ذهب مع الزمن، وانتشار الثقافات العالمية والأحزاب اليسارية والانفتاح جعلت الناس لا تتفرق بمظهر أو ثياب أو موضة، من هنا لم يصدق اللبنانيون أن هذا الموضوع بالذات سوف يستمر بل أخذوا بالتندر حوله، وإذا بالإيرانيين يدفعون مبالغا مالية للنساء التي تلبسن الحجاب، وقد كان المعاش الشهري لمن ترتدي الحجاب في 1984 مبلغ 250 ليرة لبنانية، وبدأ هذا النوع من “التطويع” يدخل إلى القرى وبيوت الفقراء حتى في جنوب لبنان وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، ولم يعترض أحد عليه. ولكن العنصر المهم الآخر كان، وبموازاة موضوع الحجاب، هو موضوع تدريب وتجنيد الشباب وغسل الأدمغة بالشعارات الدينية.

كانت الهجومات الإيرانية على الجبهة العراقية، والتي اعتمدت على “مفاتيح الجنة” الموزعة على المقاتلين كأقوى الأسلحة التي تدفع إلى الساحة، فتجعل من هؤلاء قذائف ذكية، ليست بحاجة إلى التوجيه، فهي ذاهبة إلى الجنة، والقتال حتى الاستشهاد هو الطريق الوحيد لهذه الجنة، وقد قام الإمام الخميني نفسه بتوزيع هذه المفاتيح حتى صارت الهجومات الإيرانية أشبه بالموجات البشرية التي تقوم بالانتحار الجماعي. هذا المثل أعطى الحرس الثوري في لبنان المادة لتربية أفواج من المقاتلين الذين بدأوا يحملون شيئا فشيئا “مفاتيح الجنة”.

"حزب الله"يفجر مبنيين للقوات الأميركية والفرنسية في بيروت عام 1983

كان أول عمل تظاهري لهؤلاء هو الهجوم الذي استهدف مركزي المارينز والمظليين الفرنسيين في بيروت حيث اقتحمت، وفي أوقات متقاربة، شاحنتين مملوءتين بالمتفجرات المركزين المذكورين وانفجرتا بمن فيهما لتؤديا إلى مقتل حوالي 250 جندي أميركي و78 مظلي فرنسي. لم يعرف يومها كيف تمت العملية وتفاصيلها ولا من فجر الشاحنتين ولكن هذه العملية كانت بمثابة الإعلان عن ما سمي ب”حزب الله”.

لم يغضب السوفيات لهذا التطور ولا لهذا التصرف الذي قام به السوريون بواسطة الإيرانيين كونهم اعتبروه، كما يقال بالدارج، “ردة إجر” للأمريكيين الذين شجعوا التطرف في أفغانستان وحاربوهم بواسطة الوهابيين السعوديين وأموالهم وأصوليتهم. وما كان من القوى المتعددة الجنسية التي لم تشأ، كما قلنا، أن تدخل في معركة مع حلف وارسو ولا أن تواجه حرب عصابات كما فعل السوفيات في أفغانستان، إلا أن انسحبت من لبنان بعد قيام الفرنسيين بقصف جوي لقاعدة الحرس الثوري في البقاع وهي ثكنة الشيخ عبدالله، وإرسال الأمريكيين طائرتين لقصف مواقع في السلسلة الشرقية أسقطتا فوق الأراضي السورية.

في هذا الوقت قامت سوريا وعملائها بهجوم على منطقة الشحار الغربي حيث ساهمت خيانة الضابط سكرية وإغلاق كافة موجات الاتصال التي كان يستعملها الجيش اللبناني بسقوط هذه المنطقة لتصبح بيروت الغربية مجددا تحت السيطرة الكاملة لجماعة سوريا.

أما في إسرائيل، وبعد سقوط اتفاق السابع عشر من أيار، فقد كانت مشاريع الانسحاب من لبنان تعرض من قبل كبار القادة وتدرس بشكل جدي. وكان بين هذه المشاريع مشروع لإيهود باراك أحد كبار ضباط قيادة جيش الدفاع الإسرائيلي، يومها، والذي يقوم على الانسحاب الكامل حتى الحدود الدولية وقطع كل علاقة مع لبنان فورا.

كان على الجنرال لحد ومعاونيه درس الأمور وتطوراتها بجدية كبيرة فالإسرائيليين يصرون على الانسحاب ويزيدون من سرعته بينما أخذت سلطة الحكم في بيروت بالتقلص ولم يعد هناك كبير أمل في انتشار الجيش وسيطرته على البلاد ومنع الفوضى وتهجير الناس. وقد رأت قيادة الجيش الجنوبي بأم العين ما جرى في الجبل وبعده في الشحار وما آل إليه الوضع في بيروت الغربية التي عادت إلى سلطة المليشيات وعاد إليها السوريون وأعوانهم، وقد رحلت القوات المتعددة الجنسية تاركة الحكم يتخبط في دوامة الضغوطات السورية ويتنازل يوميا عن المبادئ والحلفاء.

حاول الرئيس الجميل الذي كان وقع في المأزق السوري أن يماشيه، فقبل بالحوار في جنيف ولوزان بسويسرا بإشراف خدام ولكنه لم يصل إلى حل بالرغم من تخليه عن الرئيس الأسعد، بحسب الشروط السورية، ومن ثم عن الرئيس الوزان، ولكن السوريين الذين لهم خططهم في لبنان لم يرضوا بأن يصبح الوضع طبيعيا، بالرغم من كل التنازلات التي قدمها الرئيس الجميل، وهكذا يصبح الرئيس كرامي حجر عثرة في طريق الحكم فهو رئيس حكومة لا يتعاون ويكتفي بتصريف الأعمال. كل هذا لكي يظهر السوريون هشاشة الوضع اللبناني الداخلي ويثبتون بأن لبنان ليس بالدولة القادرة على النهوض أو الحياة مقدمة لضمه وجعله، كما حلم البعث، جزءا من سوريا.

ويشجع السوريون حليفهم الجديد التابع لإيران، حزب الله، على اختطاف كل من كان بقي من رعايا الدول الغربية في بيروت ويعرضون خدماتهم على هذه الدول من أجل التوسط لإطلاق هؤلاء وتبدأ عمليات البيع والشراء التي يبرع فيها السوريون وتنطلق معاناة جديدة ويدخل مصطلح الرهائن الغربيين إلى الإعلام العالمي ويمتد إلى ما بعد إطلاق يد سوريا في لبنان سنة1991.

أما في الجنوب فقد كانت الخطة السورية تقضي قبل كل شيء بوقف أي تعاطي مع الجنرال لحد وقواته بسبب تحالفهم مع إسرائيل، وقد بلّغ ذلك للرئيس الجميل، من هنا كان موقف القوات اللبنانية في الجنوب حرجا، فهي من جهة ملزمة بالتنسيق وعدم التصادم مع الرئيس الجميل ابن الشيخ بيار رئيس حزب الكتائب التي شكلت، ليس فقط العمود الفقري للقوات، إنما أيضا النسبة الكبرى من عديدها، ومن جهة أخرى كان الحليف الطبيعي للقوات في الجنوب جيش لبنان الجنوبي، ولم يكن من السهل أن تبقي القوات على التعاون العلني مع الإسرائيليين وفي نفس الوقت أن تحافظ على ولائها لرئيس البلاد ابن الحزب ورئيسه. وفي مواجهة هذا التردد والصراع الداخلي كان السوريون وحلفاءهم واضحين بمطالبهم يصورون أن كل انسحاب إسرائيلي من أي جزء من لبنان هو نصر لهم وقد تم بواسطة ضغوطهم ونضالهم وحدهم.

وإذ كان قائد القوات الجديد الدكتور فؤاد أبي ناضر الذي حل محل فادي فرام هو ابن شقيقة الرئيس الجميل ولا يمكنه أن يقف بمواجهته، قام القواتيون بانقلاب أطاح بالقائد الجديد ليحل محله مجلس قيادة برئاسة ايلي حبيقة، وقد بدا بأن القوات أخذت بالابتعاد عن الرئيس ومشاريعه السياسية.

وبينما يقترب موعد انسحاب الإسرائيليين من منطقة صيدا يصبح الموقف أكثر دقة، فقد كان جيش لبنان الجنوبي يرى بان الاستعدادات للدفاع عن منطقة شرق صيدا المسيحية ليست كافية، وكان شباب المنطقة التحقوا طبيعيا بالقوات اللبنانية كقوات مسيحية، لا بجيش لبنان الجنوبي الذي ضم كل الفئات، ولو كانت قيادته لا تزال مسيحية بأكثريتها. وبينما كانت القوات في المنطقة تعمل كمليشيا محلية وتتسلح بأسلحة خفيفة، كان جيش لبنان الجنوبي يرى بأن المنطقة لن تصمد في وجه الهجمات المتوقعة إلا إذا دافعت عنها قوات عسكرية نظامية قادرة على الثبات والمناورة والدعم ويساندها نظام دفاعي كامل، لأن المهاجمين سيكونون بالفعل قوات سورية بعناصر لبنانية لا ينقصها العديد أو العتاد بينما ليس للإسرائيليين أية رغبة في التدخل في القتال بعد خروجهم ولا حتى في مساندة جيش لبنان الجنوبي لذلك. وبينما صمدت المناطق الشرقية في بيروت بالرغم من الهجمات التي تعرضت لها مدة طويلة، فإن هذا الصمود لم يكن سهلا، وقد تم على مراحل تحضرت خلالها الجبهة والشعب للصمود ما لم يكن حاصلا في شرق صيدا، فالشعب لم يخض أية معركة سابقا. وقد تصرف القواتيون الجدد أبناء المنطقة هنا كما يتصرف القواتيون داخل المنطقة الشرقية وليس على الجبهات التي كانت أصبحت خطوط ثابتة، وكانت تجربة معركة الشوف مثالا لما سوف تتعرض له المنطقة بالرغم من أن التحضيرات في الشوف كانت أهم والقوات التي خاضت المعركة هناك كانت قوات شبه نظامية ومجهزة بالعتاد والآليات. من هنا ترك الجنرال لحد منطقة شرق صيدا حتى كفر فالوس شرقا وقرر الدفاع عن منطقة جزين إذا ما تعرضت للخطر. بينما كانت الدولة تسعى لإرسال لواء من الجيش اللبناني ليحل محل الإسرائيليين المنسحبين. وكان موقف قيادة القوات اللبنانية هو مساعدة الدولة في نشر الجيش وتسلمه المنطقة.

وينسحب الإسرائيليون من صيدا ويأتي الرئيس الجميل إليها سريعا للاحتفال بتحريرها ولكن وفور خروجه منها يصل إليها موكبا من 700 سيارة قادمة من الضاحية الجنوبية وتحمل أعلام حزب الله حيث يتجمعون في ساحة النجمة ليحرقوا العلم اللبناني كجواب منهم على الرئيس بأنهم لا يعترفون به ولا حتى بلبنان الدولة فهذا الحزب كان ينادي بجمهورية إسلامية شيعية يحكمها الولي على غرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

الحلقة الثامنة عشرة- شرق صيدا وجزين

كانت التطورات المتلاحقة تنعكس على الساحة المسيحية في الجنوب فقد كلف عدم التنسيق مع الإسرائيليين …

اترك رد