الحلقة الثامنة عشرة- شرق صيدا وجزين

كانت التطورات المتلاحقة تنعكس على الساحة المسيحية في الجنوب فقد كلف عدم التنسيق مع الإسرائيليين ورفض الاتفاق معهم حول الانسحاب إلى خسارة الشوف والشحار وبيروت الغربية، بينما يصر هؤلاء على تسريع انسحابهم حتى الحدود بدون الأخذ بعين الاعتبار ما ستؤول إليه الأمور. ويشعر الأهالي في الجنوب بأن عليهم أن يغيّروا الوضع فينشأ “التجمع المسيحي الحر” الذي يسعى إلى طرح تعاون وتفاهم مع الجار الإسرائيلي. ويقام مهرجان شعبي في مدينة جزين يتناول فيه الخطباء ضرورة التعاون بين لبنان وجاره الجنوبي.

لكن الأحداث تلاحقت بسرعة أدت إلى تدهور الوضع في الجنوب، فبعد سقوط منطقة الشحار الغربي وانسحاب الإسرائيليين من صيدا شكّل الجيش اللبناني اللواء الثاني عشر الذي سينتشر في منطقة إقليم الخروب وشرق صيدا لفرض النظام ومنع التقاتل، كما حدث في الشوف. ولكن ما أن انسحب الإسرائيليون من صيدا حتى انفجرت عبوة ناسفة أدت إلى إصابة السيد مصطفى معروف سعد بشكل مباشر وبجروح بالغة أدت إلى فقدانه البصر. وكان السيد سعد يعتبر من رجال صيدا القادرين على ضبط الأمور، وهو ابن المغفور له النائب السابق معروف سعد الذي كان اغتيل في صيدا أثناء مظاهرة قام بها صيادو الأسماك ضد شركة “بروتيين”، وهي شركة مساهمة كانت أنشئت لتنظيم صيد الأسماك على السواحل اللبنانية بالطرق الحديثة، وقد كان السيد معروف سعد شارك في تلك المظاهرة يومها لمنع استغلالها من قبل الفلسطينيين وتحويلها، كالعادة، مناسبة للإخلال بالأمن ودبّ الفوضى في المدينة، وقيل أن الرصاصة التي اغتالت المرحوم معروف سعد انطلقت من أحد عناصر منظمة الصاعقة الفلسطينية التابعة لسوريا والذي كان يسير بقربه، وقد أدى اغتياله بالفعل لفوضى عارمة كانت إحدى شرارات الأحداث المؤلمة. وكان السيد مصطفى سعد قد واجه السوريين في 1976 يوم حاولوا الدخول إلى صيدا حيث أصيب عدد من الدبابات السورية في منطقة القناية، ويقول البعض بأن السوريين لم ينسوا له ذلك، ولكن من الطبيعي أن يحول الغضب بعد انفجار العبوة نحو الجار المسيحي وهذا بالذات ما يريده السوريون. ويبدأ مسلسل جديد من التهجير، فجيش لبنان الجنوبي، كما قلنا، كان قد انسحب من ضواحي صيدا باتجاه جزين، بينما قبلت القوات اللبنانية بنشر الجيش اللبناني فسحبت قواتها من المنطقة بناء على ذلك ليبقى الأهالي متأملين بالجيش، ولكن اللواء الثاني عشر الذي كانت غالبيته من السنة والذي كان من المفروض أن يحميهم، سرعان ما تحول إلى ميليشيا مع قدوم أفواج حزب الله وجماعة شعبان الطرابلسية السنية لينضم الجميع إلى جماهير الغاضبين في صيدا وينطلق هذا المد نحو القرى المسيحية في شرق صيدا.

كان الإسرائيليون قد اعتمدوا قرارا بالانسحاب حتى الحدود والإبقاء على ما سموه حزاما أمنيا لا يزيد عمقا عن الخمسة كيلومترات لمنع الاقتراب من هذه الحدود، ولكنهم في هذه الأثناء كانوا لا يزالون في انسحابهم التدريجي يرابطون بين عرمتى وكفرحونة، بينما كان جيش لبنان الجنوبي يرابط في تلة المشنقة جنوب قرية أنان.

كانت أفواج الأهالي الخائفين تعبر من إقليم الخروب إلى منطقة جزين عبر جسر بسري بينما بدأت أفواج النازحين من قرى شرق صيدا بالتوافد إلى المنطقة، ولم يقف هؤلاء في جزين بل اندفعوا جنوبا باتجاه المنطقة الحدودية. هذا الوضع دفع بمسؤول جيش لبنان الجنوبي في جزين، وخاصة عندما رأى بأن ثكنة الجيش اللبناني في كفرفالوس تتعرض للسرقة إثر فرار عناصرها، إلى إرسال مجموعة من جنوده إلى منطقة كفرفالوس لمنع التعدي على الثكنة. وكان الأهالي الهاربون يتحدثون عن اقتراب المهاجمين. في هذا الوقت، وبعد تدارس الوضع، وعلى ضوء المعلومات الواردة، وللإبقاء على معنويات الجيش، أتخذ الجنرال لحد قرارا بالصمود في المنطقة ومواجهة هؤلاء المخربين مهما كلف الأمر.

في الساعة الثانية بعد الظهر اتصل أسامة سعد شقيق مصطفى وقائد مجموعة صيدا، بالنائب السابق المرحوم جان عزيز، وهو أحد زعماء جزين الذين لهم وزنهم، ليجس النبض ويفهم منه الوضع، فما كان من عزيز إلا أن أنبه على الأعمال التي يقومون بها وقال له أننا قد نتفهم توجهكم نحو عبرا حيث يملك بعض أبناء صيدا عقارات أو مصالح، ولكن ما شأنكم والقرى البعيدة عن صيدا مثل مجدليون والصالحية ولبعا وعين المير، وهذه لم تكن مرة إلا واحات تعاون ولقاء بين أبناء المنطقة، ثم حذره في الوقت عينه من التعرض لجيش لبنان الجنوبي والجنرال لحد، كون هذا الأخير رجلا عسكريا مشهودا له وهو يقود جيشا منظما يستند لوجستيا على الإسرائيليين.

في الساعة الرابعة من عصر ذلك اليوم قامت مجموعات المخربين بالهجوم على أحد المراكز المتقدمة لجيش لبنان الجنوبي، ما أدى إلى هجوم مضاد فوري من قبل هذا الجيش ترافق بسد من نيران المدفعية أنزل بالمهاجمين خسائر كبيرة وأجبرهم على التراجع لتصبح كفرفالوس خط التماس بين جيش لبنان الجنوبي ومجموعات التخريب هذه.

وتستقبل القرى المسيحية في المنطقة الحدودية أفواج الأهل النازحين من شرق صيدا وإقليم الخروب، وتفتح أبواب البيوت والقلوب كي لا يشعر هؤلاء بقساوة الأيام وبثقل التهجير، فلم يعد ما يحل بالمسيحيين ردة فعل عفوية، إنما مشاريع اقتلاع يراد منها تغيير وجه لبنان وإفراغه من أبنائه البررة الذين دفعوا الغالي والرخيص ليبقوا أحرار في بلدهم.

ويشعر المسيحيون في كل لبنان بالوضع، فهل إن المسيحيين يعاقبون بالجملة عن أخطاء الغير؟ أم أن اللبنانيين لم يعودوا قادرين على العيش المشترك والتعاون فيما بينهم؟ أم أنهم فعلا بدأوا يعملون على تقسيم المناطق وفرزها؛ وها الدروز قد فرزوا الشوف إقطاعية جديدة لهم، وها الشيعة يطالبون بجمهورية إسلامية شيعية على الطراز الإيراني وقد حققوا جزءا منها في بعلبك والضاحية، وها السنة جماعة شعبان يقتطعون دويلة في طرابلس ويريدون مثلها في صيدا، فهل يجب أن يحارب المسيحيون في الشرقية ويكتفون بها فيهجرون كل المناطق التي رووها بالعرق والجهد والدم وقد احتضنت تراب الآباء والأجداد وعمل السنين الطوال؟ ولم تكن استطاعت، حتى حروب الفلسطينيين، على اقتلاع مسيحيي شرق صيدا وإقليم الخروب من أرضهم بالرغم من المجازر والجرائم التي جرت في الدامور وغيرها من الأماكن.

ويفهم قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني أهمية صمود جزين وبقاء أهلها، فيرسل مبعوثا خاصا هو المونسينيور بوهيغاز ليقيم فيها ويساند المسيحيين هناك ببعض الأمل والرجاء بأن الأمور لا بد أن تتحسن وأن المستقبل ليس دوما دماء وتهجير.

وتصمد منطقة جزين لتصبح رمزا لربط الجنوب بقلب لبنان ونقطة التقاء لمجموعاته الحضارية، ويعود الدروز الذين هجروا مسيحيي الشوف للعبور على حواجز المسيحيين في جزين في طريقهم إلى حاصبيا بينما يعبر المسيحيون الشوف إلى قلب لبنان بحماية المسلحين الدروز.

وتعطي وقفة جزين، جيش لبنان الجنوبي، رصيدا بين الأهالي في المنطقة، ويصبح أهلا للثقة، ورمزا للتعاون، ومحطا للآمال، فقد اتخذ قراره بالصمود منفردا، ولم يتحول تحت الضغط إلى مليشيا، لا بل أبقى على انضباطيته وتنظيمه، ولم يشارك في تقسيم الناس أو يسمح بأي نوع من التعدي على حرماتهم أو أملاكهم، لا بل كان تنوّع جنوده وانتماءاتهم إلى كل فئات المجتمع الجنوبي، الذي لا يختلف عن لبنان، هو الضمانة وهو المثال الصالح الذي يوثق به في غابة الغرائز والعصبيات المنغلقة التي برزت في الطرف الآخر من الساحة اللبنانية.

كان الإسرائيليون قد حزموا أمرهم، كما قلنا، بشأن لبنان، ولم يعد يعني لهم التفاهم مع اللبنانيين شيئا، لا بل عادوا، كما بدا، إلى سياسة الغيتو المنعزل بعد أن كانوا حلموا بالانفتاح نحو اللبنانيين في التعاون مع “لبنان الحر” أولا ثم الحلم بالسلام مع كل لبنان في 1982 . وقد ارتفعت أكثر في إسرائيل، خاصة بين سياسيي الأحزاب اليسارية، الأصوات التي تدّعي بأن لبنان ليس إلا مستنقعا من الوحول علينا أن نخرج منه في أسرع وقت وبأقل الخسائر. ولميعد يعني هؤلاء في تلك الفترة حتى جيش لبنان الجنوبي إلا بقدر مساهمته في منع التعدي على شمال إسرائيل. من هنا كانت ميزانية المساعدات التي تدفع لهذا الجيش لا تشمل منطقة جزين قطعا، ولا حتى رواتب العسكريين فيها.

كان على الجنرال لحد وقيادته أن يفكروا بالأمر، فتمويل كتيبة عسكرية لحماية منطقة جبلية كمنطقة جزين ليست بالشيء السهل إن من الناحية اللوجستية (تموين وذخائر ورواتب…) أو من ناحية المساندة والدعم، ولكن الانكفاء عن جزين يعني موتا لآمال الناس وثقة المواطنين في كل المنطقة من جهة، ومعنويات للطرف الآخر الذي يحاول الظهور بمظهر المنتصر وتوسيع تواجده والاندفاع باتجاه المنطقة الحدودية أكثر فاكثر. وقد كانت سوريا بعكس إسرائيل لديها مشروعا ومصالح في لبنان لا تريد التخلي عنها بأي ثمن، فهي عقائديا تريد ابتلاعه، وقد بدا ذلك أكثر قربا للتحقيق، وقد وجدت بمحاربة إسرائيل أفضل شعار لتوسيع تواجدها وسيطرتها بواسطة لبنانيين ودون أن تخرق الخطوط الحمر المرسومة لها.

وبينما أجهضت سوريا كل مشاريع الحوار التي كان بدأها الرئيس الجميل، قامت بمناورة جديدة لجعل القوات اللبنانية، التي كانت عدوها الأساسي، تدخل المفاوضات معها في مشروع تفاهم بين المليشيات اللبنانية المتحاربة تقوده سوريا بمنأى عن الحكم. ويعتقد البعض بأن خسارة شرق صيدا كان الدافع لتفاهم ايلي حبيقة مع سوريا، بينما يعتقد بعض أعداء حبيقة بأن التفاوض السري مع السوريين كان سابقا لخسارة شرق صيدا وما كانت تلك الخسارة إلا فاتورة على حساب هذا التفاهم.

ويكاد الاتفاق الثلاثي ينجح في خلق تفاهم بين المتحاربين بالشروط السورية، إلا أن تحركا داخل القوات يجهض هذا الاتفاق في عملية يقوم بها سمير جعجع ضد حبيقة ليقلب الطاولة على هذه المشاريع التي يعتبرها مقدمة لتسليم البلد لسوريا.

ويبدأ جعجع بتنظيم “المجتمع المسيحي” داخليا ولا يخجل من تسمية الأمور بأسمائها ويقرر البدء بتنظيم المليشيات أولا وجعلها جيشا منضبطا بكل معنى الكلمة، خاصة بعد سلسلة الانقلابات التي جرت في المنطقة الشرقية وما نتج عنها من عداوات وخسائر. ومن جملة التنظيم كان الاهتمام بالصندوق الوطني، الذي أصبح يؤدي عددا من الخدمات الاجتماعية، وقد ساهم هذا الصندوق بمساعدة الجنرال لحد في دفع جز من رواتب عسكريي منطقة جزين لمدة طويلة، ما ساعد مع ما كانت تؤمنه المنطقة الحدودية من مداخيل بتغطية هذا الجزء المهم من الميزانية.

ويزيد جيش لبنان الجنوبي تماسكا وانضباط في هذه المرحلة، ويشعر الإسرائيليون بأن هؤلاء اللبنانيين جادين بالدفاع عن منطقتهم وأمنهم وهم جديرين بالثقة وأهلا للتعاون معهم، ومن هنا تبقي قيادتهم بعض الوحدات في منطقة جبل الريحان كمساعدة منها لضبط الأمن على طريق جزين.

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

الحلقة السابعة عشرة – حزب الله

بينما كانت سوريا تحشد كل إمكانياتها العسكرية والسياسية والإستخبراتية في معركة إعادة السيطرة على لبنان، كان …

اترك رد