التاريخ الحقيقي وتأثيرالفكر | بقلم الدكتور شارل مالك

( مأخوذة من كتاب المقدمة )

واما التاريخُ الحقيقي ، فليس في شيءٍ من تناوب الاحكام واختلاف الدول والعهود والرجال ، ونشؤ الممالك وزوالها ، والأسَر الحاكمة واعمارها ، وشؤون السلطان وظاهر العمران . بل إنَّه تاريخ الفكر والمعتقد اوَّلاً ، وقبل كل شيء وبعد كل شيء . فما لي ولهذا الطاغية او ذاك مِمـَّنْ حكموا في هذا العصر او ذاك ؟ وما شأْني بأن يكون العربُ او الفرسُ او الرومُ قد فتحوا هذه البلاد او تلك في هذا العصر او ذاك ؟ إنَّ ما أَهـْتمُّ له واصبو الى معرفته آخر الامر هو : مَنْ فكـَّر في هذا العصر او ذاك وما هي حصيلةُ فكره ؟ فالملوك والقادة والحكام والطغاة الى زوال ، والفتح يسقط بالفتح ، والقوة تذهب بها القوة . لذلك فان المهم هو الجوهر الباقي وليس الشيء الحادث ، واذا كانت الحوادث تُرضي الفضوليين وتنقع غلَّـة اهل الثرثرة ، فانَّـى لها ان تُشبعَ العقل وتكفي طموحه ؟ !

 

لقد فتح العرب المسلمون الاندلس ، ثمَّ دالت دولتُهم بعد حروبٍ ومصانع واهوالٍ توالت على حكمهم لتلك البلاد ما يزيد على سبعة قرون ، وليس المهم في تاريخ الاندلس العربية الاسلامية حكم بني عبـَّاد او بني الاحمر او فتوحات الخليفة عبد الحمن الناصر او حروب يوسف بن تاشفين، بل ان المهم هو الاثر الباقي من شواهد العمران والفن الاسلامي والادب العربي والشعر والموشحات ، وروائع المفكرين ، واجتهاد الفلاسفة ، من أمثال ابن ميمون وابن رشد وابن طفيل وغيرهم ، واثر هذا كله العميق في الحياة والفن والموسيقى والادب والفكر والروحانية الاسبانية ، والمقدار الذي انتقل به هذا الأثر بعدئذ من العالم الاسباني الى العالم الاوروبي الغربي الاوسع ، وأثر الانتقال في نهضة اوروبة منذ القرن الثالث عشر وايقاظها من سباتها . ان هذا الذي يرضى العقل وهو تاريخ الاندلس الحقيقي .

المهم في أي حقبة ان نعرف مـَن فَكـَّر فيها وابدع وماذا فكـَّر وابدع ، سواء اكانت هذه الحقبةُ حقبةَ العرب المسلمين في الاندلس ، او حقبة العباسيين ، ام حقبة الأمويين ، ام حقبة بيريكليس في عصر اثينا الذهبي ، ام حقبة اوغسطوس قيصر ، ام حقبة ازدهار الفكر والروح في الاسكندرية في عهد الآباء المسيحيين ، ام حقبة الامبراطورية البيزنطية في اوجها ، ام القرن السابع عشر ، ام حقبة المماليك في المشرق العربي ، ام حقبة الامبراطورية العثمانية ، ام القرن الثامن عشر في اوروبا ، ام عهد نابوليون ، ام القرن التاسع عشر ، ام حقبة الحرب العالمية الثانية التي نعاصرها اليوم . في كل حقبة قُـل لي : مَـن فَكَّـر فيها وابدع وماذا فكَّـر وابدع .

وبالنسبة للبنان في القرون الأخيرة إنَّ السؤال : من حكم لبنان وايُّ انظمة توالت عليه وكيف كانت ” اوضاعـُه ” في هذا العهد أو ذاك ، سؤال ٌ هام جداً ، لكنه ليس بالسؤال الحاسم الأخير . الحُـكَّام والانظمة و ” الاوضاع ” تتغيـَّر ، فماذا يبقى منها ؟ يبقى الشعب اللبناني الحيُّ بقيمه واعرافه ، والسؤال الحاسم بشأنه هو : مَـن ْ منْ هذا الشعب الحي فكـَّر وابدع ّ وماذا خلق من تفكيره وابداعه في شتى حقول الفكر والإبداع ، في عهد فخر الدين الكبير ، في عهد المتصرفية ، وفي عهد الانتداب الفرنسي ، وفي عهد الاستقلال ؟ هذا هو الباقي بقدر ما يستحق البقاء ، اعني بقدر ما هو فكـرٌ وابداعٌ عالميَّـان انسانـّان .

ثم انَّ معنى التاريخ هو في وحدة تطوُّره ونموّه ، فحيث لا نـُـمـُوَّ في الوحدة ولا تطورَّ ، حيث تنكفىءُ الوحدة ويحلُّ الجمودُ او التقطـُّعُ الكيفيُّ او التقلـُّبُ السطحي ُّ والتبدُّلُ القيافيُّ ، يصبح التاريخ بلا معنى ، ويكون بالتالي مجرد تكراريّة وموت . اما الوحدة الوحيدة الخالدة في التاريخ ، فهي تكمن في تفاعل الفكر الحُر عبر التراث الانساني ، تفاعل قمم الفكر وصراعها فيما بينها ، وهذا التفاعل هو بمثابة اعترافٍ متبادّل وفائدة مشتركة فيما بينها . وحدة التاريخ الوحيدة تتألـَّف من التراكمية العضوية غيرِ المتقطـَّعة للفكر والروح .

وانه ليعجزنا حصر الدول والانظمة والاحكام التي توالت على مسرح التاريخ منذ القدم ، كما يعجزنا تعداد الشعوب والثقافات والحضارات المتناوبة ، وما مـَرًّت به من عصور النهضة والخمول وما أحاط بنشوئها وزوالها من وقائع واحداث . اين بابل ؟ واشور ؟ اين فرعون وقيصر وكسرى ؟ اين الاسكندر ونابليون ؟ اين هتلر ؟ اسئلة تتوالى الى ما لا نهاية ،فنتساْل حكماً : ما الذي يبقى اذن من التاريخ ؟ هل تكون ” ابدية الحاضر ” او “الحاضر الابدي ” (The eternal present) وسيلتنا الهيـّنة لرفض التاريخ ، انطلاقاً من القول باننا نعيش دائماً وأبداً في الحاضر ؟ التاريخ غيرُ ” الحاضر الابدي ” تماماً ؛ التاريخ شيءٌ تراكمي تواصلي ، الماضي يبقى وبالتالي يحيا في الحاضر ، والحاضر نزوع حي قائم ، وخلق لما يُـسمَّى المستقبل . ان الذي يبقى من تراكمية التاريخ وتواصليته هو الحياة ، واهم شيءٍ في هذه الحياة ، كي تستحق صفة ” الحياة ” . اي كي لا تكون مرادفاً للموت ، هو تفاعل الفكر الحر ، النابض بالحركة والاستيعاب والخـَلـْق . الحي الباقي في التاريخ هو تراكمية الفكر الحي . والفكر آخر الامر هو من فـّكـَّرَ ونطق ودوَّن ، وربط اسمـَه الى الابد بما رأى وخَـبَـر واخبر . واصلبُ هؤلأ جميعاً ، واكثرُهم عناداً وعمقاً ، وابعدهم اثراً في كتاب الحياة وسيرة الوجود التاريخي ، هم الفلاسفة اولاً (1) . فالدول تزول وعصور الزمن تتوالى ، وجذوة العقل باقية لا تخمد ولا تنطفىء ، بل انه لا يبقى من شأو الحضارات والثقافات قاطبة غير ما خلفته من فكر نافذ وعقل هادف ثاقب . وبمقدار ما يكون هذا العقل وذلك الفكر فاعلـّين في الوجود الحي ، بمقدار ما يكون انتماء هذه الحضارة او تلك الى التراث الحي الخالد وطيداً . فقد تعيـَّن لهذا العقل ولذلك الفكر ان يَعـْلـُوَا على الزمان والمكان ، وعلى اللغات والاجناس والالوان ، وان يتجاوزا كل هذا تجاوزاً كُـلـَّياً مُـحقـَّقاً . فمع ان ابن رشد ، مثلاً ، لم يعرف اليونانية ، فهو يُـعـَدّ من أعظم الارسططاليسيين في التاريخ ، ومع ان القديس توما الاكويني لم يكدْ يعرف اليونانية ولم يعرف العربية ، واعتمد في دراسته ارسططاليس وابن رشد الترجمات اللاتينية فقط ، فهو مِـنْ اعظم مَـنْ انطبخ بارسططاليس في التاريخ ، ومن اشد مَـنْ نفذ الى اعماق مقاصده ، وهو اعظم من أفاد من ابن رشد وفنـَّدَ اخطاءه في آن ، وفَـنَّدَ كذلك اخطاء تفسيره لارسططاليس واخطاء ارسططاليس ذاته .

إنَّ ارسططاليس وافلاطون ما انفكـَّا ينبضان حياةً في مختلف الازمنة والامكنة وعند مختلف الاجناس واللغات ، مع العلم أَنَّ اثينا قدْ زالت من الوجود بصفة نظامها السياسي الذي كان قائماً في عصرهما . وما ان يُلـِمَّ احدُنا بما خلـَّفـَه ارسططاليس او افلاطون من روائع الفكر والفلسفة ، حتى يقع على اثرهما في كل فكر مسؤول ، وفي كل حضارة فاعلة ، امس واليوم وغداً ، وحتى يكتشف انه هو ، في تفكيره الأخير ، إمَّـا افلاطونيٌّ او ارسططاليسيٌّ ، او خالطٌ بين الاثنين ، والذي يتعلـَّم قواعد النحو في اللغة العربية عن صغـَر يكتشف عندما يدرس ارسططاليس عن كِـبَـر انه سبق واتقن منطق ارسططاليس باتقانه علمَ النحو دون أن يدركَ ذلك ، لأنَّ واضعي هذا العلم اخذوا منطق ارسططاليس بالذات وصَبـُّوا فيه تراكيب اللغة كلها .

ومن مثل ذالك ايضاً زوال روما القديمة وخلود الشرع الروماني، وغروب شمس القرون الوسطى وخلود آثار اوغسطينوس والأكويني والغزالي وابن رشد ، وغير هؤلأ ممـَّنْ وضعوا المداميك الراسخة في عمارة الفكر الحي الصحيح الباقي . الفكر يبقى ، اما الثقافات فتزول بعد رواج ، وكذلك الدول والانظمة ، ولا يسلم منها إلاَّ ما تكون قد قبسته من شعلة الحق ، وتعبيرهُ الأخير هو الفلسفة المسؤولة .

ثم إنـَّنا لا نقوى على فهم الثقافات واسباب قيامها ودثارها إلاَّ اذانهلـْنا من معين التراث الفكري الأصيل بما له من تفاعل ايجابي وتواصل ابداعي . وامام هذه الحقيقة تظهر سطحيـّةُ المطوَّلات التاريخية وبدائيـَّتـثها ، وعقم اسلوبها القائم على سرد الوقائع المتعاقبة والحوادث المتلاحقة ،وهي مطوَّلاتٌ لا يُـفيد منها احدٌ ولا يستنير بها حتى اولئك الذين يهدرون الوقت في وضعها . إنَّ قافلة الحياة حيث يكمـُن الفعل والحسم والتقرير ، فهى تكاد أَلاَّ تلتفت شطر هذه المطوَّلات او تتعرَّف الى وجودها .

إني اشك ان لويس الرابع عشر او نابليون ، مثلاً ، او لينين او تشرشل ، وايضاً لايبنتز وكَاْنْتْ وهيغل وماركس – وهؤلأ هم بعض حاسمي التاريخ ومـُقريريه _ ، قرأُوا شيئاً من هذه المطولات التعدادية السخيفة المملة في تاريخ بعض الشعوب ، او حتى سمعوا بوجودها . وهكذا يتضح اه لا غنى عن الفكر الاصيل في معرفة التاريخ وفهمه ، ذلك انه حيث لا أَصالة ، لا فهم ، أَمـَّا الأصيل الحقيقي ، كما اثبتنا في سياق هذا البحث ، فهو الذي يفهم ذاته ويفهم الآخر؛ وهكذا الثقافات ؛ فإنَّ الأصيلة بينها هي تلك التي تفهم نفسها وتفهم غيرَها ، واما الزائف ، فلا يفهم ذاته وبالتالي لا يفهم غيره ، وليس ثمة مأساة اعمق واشد مأساوية من مشهد اللافهم ذاته والمفهوم فقط من غيره . كل شيءٍ يـُفهم او هو قابل للفهم ، اما السؤال الحاسم فهو فقط ، من يفهمه ، وبالتالي ، هل يفهم هو ذاته ، ام
يفهمه غيرُه فقط ؟ السؤال الحاسم هو : اين فهمُ الذات وفهم الغير في آن ؟

اسألُ اذن : هل فهم التراث الحقيقي متوفـَّرٌ كيانياً في لبنان وفي العالم العربي والشرق على العموم ؟ هل لدينا الادواتُ العقليـَّةُ الوافية لتحديد كلمة ” الحقيقي ” في هذا السؤال ؟ هل نفهم انفسنا بالفعل ؟ هل نفهم غيرّنا بالفعل ؟ واذا كنـَّا نفهم انفسنا بعض الشيء ، فلماذا نطمس فهمنا الجزئي هذا او نخجل من الاقرار به او اعلانه ؟ واذا كُنـَّا نكابر بشأنه ، افليست المكابرة ضربا ً من التهرب من الفهم والاعلان ؟ هل الحقيقة هي أَنَّ غيرّنا فقط يفهمُنـا على حقيقتنا ، بما في ذلك حقيقةُ أَنَّـنـا لا نفهم غيرّنا ولا نفهم حتى انفسنا ؟ واذا كانت الحال هكذا ، السنا اذن في وضع سقيم مأساوي ؟ كيف نُشفى من هذا الوضع بغير الجرأة المتواضعة التامة على مجابهة الحقيقة وحدها تُـعِيـْنُ وتحرر وتُنهض ؟ هل تتمَّ هاتان الجرأَة والثقة بالسحر والصدفة ومجرد الفطرة ، ومجرَّد الانتظار ، ام ان شرط تمامهما هو بالضبط العيش المسؤول والتحاور الصبور طوال سنين واجيالٍ وقرون في قمم الفكر مع اهل القمم ؟ إنَّ هذه أسئلة تستحق التأمُّل .

التاريخ الحقيقي ، اذن ، هو المتمثَّل بتاريخ الفكر ، اما تاريخ الحروب والدول والفتوحات وما اليها ، فإنَّ هو إلاَّ ضربٌ من العبث والتسلية . فمن خلال الفكر ، والفكر وحده ( وهو يشمل ، كما اشرنا في ما سبق ، كل نشاط عقلي وروحي ، في الادب والفنّ والشرع والدين والاخلاق والعلم والفلسفة ) ، نتعرَّف الى عبقريات الامم وروحها ونظرتها الى الوجود . ذلك ان تاريخ الفكر يختزن عصارةّ ما رُؤِيَ وأحب واعتـُمـِد . يكتشف الانسان فيه كل ما هو انساني في غيره ، ولانه يعترف به ويفهمه ، يتعرَّف الى انسانيته هو نفسه . ذلك أن التنقل الذهني بين القمم والمدارس والانظمة الفكرية والحضارية ، بما يتخلـَّل هذا التنقل من رويـَّةٍ وانعامِ نظرٍ وفهم ، انما يحقق للذات قدرة على التنقـُل في ذاتها من امكان الى امكان . تاريخ الفكر ، اذن ، كَشْفٌ عن امكانات الانسان وعَرْض لامكاناتالروح ، وبالتالي كشفٌ وعرضٌ لامكاناتك انت . فانك لتفقه وتعي في ذاتك انت الانسان ما كان من تجربة اخيك الانسان في السهوب الاسيويةوالمنادح الاوروبية ، في الازمنة القديمة والوسيطة والحديثة ، في بلاد فارس والهند والصين والروم والعرب ، وفي ممالك المسيحية والاسلام . انك تستعيد في ذاتك تلك التجربة الفكرية الروحية وتحياها ذهنيّاً ، بحيث تتآلف مع أخيك الانسان وتتـَّحِد به . وما كان لهذه الالفة وهذه الوحدة ان تتمـَّا بدرس تاريخ الحروب والفتوحات والوقوف على دقائقه ، بل إنَّ الامر ، خلافاً لذلك ، يستدرج الالفة الى النفرة والصدود كما يستدرج الوحدة الى التمزق والشتات من خلال قراَْة هذا التاريخ . واكرر للمرة العاشرة ان الوحدة الحقيقية ليست بين الانسان والموجودات المادية ، ولا بين الانسان والكون ، بأي معنى من معاني ” الكون ” ولا حتى بين الانسان وذاته المجردة ، وبكل تأكيد لا تتأتـَّى في الانسان من اكبابه على هذه التأريخات المفكـَّكة ، المقطَّعة ، غير المتراكمة وغير المترابطة إلاَّ بمجرد أَنَّ حدثاً حـَدَثَ بعد حدثٍ ، بل انها بين الانسان وسائر الناس ، وهي لا تستوي إلاَّ على مستوى العقل والروح ، وليس على مستوى الظروف والاحداث التي تتعدَّد وتتنوَّع إلى ما لا نهاية ، بمعنىً وبغير معنى . ثم ان الوحدة الحقيقية الوائلة الى معنىً حقيقي لا تكون بين الانسان وسائر الناس من أهل عصره فقط ، لأنَّ هؤلأ ما زالوا يبحثون ويستقرئون ويجربون ولم يصلوا ، بعدُ ، الى حسم انفسهم بصورة نهائية ، هذه الوحدة تكون اكمل واتمَّ بين الاحياء واسلافهم ممن حسموا نهائياً مع انفسهم ودوَّنوا الأثر في كتاب الدنيا وفارقوها ، او انهم في حكم المفارق لها الى يومٍ وشيك . فالوحدة الحقيقية ، اذن ، ذات المعنى الحقيقي ، هي بين الحاضر المستقرىء الباحث ، وبين الماضي المـُتَمَثَّل في تراث العقل وايجابياته الفاعلة المتفاعلة في قلب الحياة . هذا معنى أَنَّ الوحدة هي في التراث الحي المتراكم المتواصل غيرِ المتقطّع

 

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

لأننا نريده أن يبقى

مي مر – كتب في 11 شباط – 1976- اللبنانيون خائفون على لبنان. وهذا أمر …

اترك رد