الهولوكوست – المحرقة النازية بحق الشعب اليهودي

Videos & Pictures inside

ذكرى ضحايا المحرقة والبطولة (يوم هاشوآ باللغة العبرية) هي يوم تذكاري وطني في إسرائيل, يتم فيه إحياء ذكرى اليهود الستة ملايين الذين أبيدوا على أيدي  النازي في المحرقة التي حلت بالشعب اليهودي إبان الحرب العالمية الثانية. وهذا هو يوم تأبيني, يتم إحياؤه قبل عيد الاستقلال بأسبوع ويوم ويبدأ عند غروب الشمس في يوم 26 من شهر نيسان حسب التقويم العبري وينتهي في مساء اليوم التالي, حسب التقاليد اليهودية. وفي هذا اليوم تكون أماكن الترفيه مغلقة وتقام مراسم تذكارية في جميع أنحاء الدولة.

المحرقة :

كارثة ( بالعبرية “شؤآة “) هي الفظائع التي حلت بالشعب اليهودي إبان الحكم النازي في أوروبا في الفترة من ٣٠ كانون الثاني ١٩٣٣ عندما أصبح هتلر مستشاراً لألمانيا, وحتى ٨ مايو أيار ١٩٤٥ ( يوم النصر) عندما انتهت الحرب في أوروبا. خلال هذه الفترة من الزمن, تعرض اليهود في أوروبا إلى اضطهاد قاس ومتزايد, انتهى بقتل ٦,٠٠٠,٠٠٠ يهودي ( بضمنهم ١,٥ مليون طفل), وبإبادة ٥,٠٠٠ جالية يهودية. ويمثل هذا العدد من القتلى ثلثي يهود أوروبا, وثلث يهود العالم. ولم يكن اليهود الذين لاقوا حتفهم ضحايا القتال الذي دمر أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية, بل أنهم كانوا ضحايا محاولة مقصودة ومبرمجة قامت بها ألمانيا لإبادة اليهود في أوروبا تماماً, وهي الخطة التي أطلق عليها هتلر اسم “الحل النهائي” ( Enlosung ) .

 

بعد الهزيمة التي منيت بها ألمانيا في الحرب العالمية الأولى, أهينت ألمانيا في معاهدة فرساي, حيث تم بموجب المعاهدة اقتطاع مساحات من الأراضي التي كانت تابعة لها قبل الحرب, وقلصت حجم قواتها المسلحة إلى حد كبير وألزمتها بالاعتراف بأنها المذنبة في شن الحرب, كما فرض عليها دفع التعويضات لدول الحلفاء. وبعد تحطيم الإمبراطورية الألمانية, تم تشكيل حكومة برلمانية سُمّيت جمهورية فايمار. وعانت هذه الجمهورية من انعدام الاستقرار الاقتصادي, الذي ازداد تفاقماً خلال فترة الهبوط الاقتصادي في العالم عامة, بعد انهيار البورصة في نيويورك عام ١٩٢٩. ثم حدث تضخم مالي كبير ومطرد, أعقبته بطالة كبيرة جداً, فأخذت الخلافات الطبقية والسياسية تقوّض أسس الحكومة.

 

نجح حزب العمال الألماني, وخاصة زعيمه أدولف هتلر, في استغلال هذا الوضع التعس وما تسبب فيه من بطالة وشعور بالمهانة والضيق. وكان هتلر قد ولد في عام ١٨٨٩ في قرية صغيرة في النمسا, وحاول في عام ١٩٠٧ الالتحاق بالأكاديمية النمساوية للفنون الجميلة, ولكنه رُفض. شعر هتلر بأن لقب “الفاشل” يلصق به, فأمضى السنوات الخمس التالية في عيشة ذليلة في فيينا, وأغلب الظن أن كراهيته لليهود تبلورت خلال هذه السنوات. وإثر نشوب الحرب العالمية الأولى, انخرط في الجيش. بعد هزيمة ألمانياانضم إلى حزب العمال الألماني, حيث اكتشف مقدرته الكبيرة في إلقاء الخطب المثيرة. وسرعان ما أصبح زعيماً للحزب, فغيّر اسمه إلى “الحزب الإشتراكي الوطني” (نازي). وفي عام ١٩٢٣ حاول القيام بانقلاب في ميونيخ, ليسيطر بعد ذلك على ألمانيا بكاملها. إلاّ أن “الانقلاب” فشل, وحكم على هتلر بالسجن. وفي السجن قام بكتابة كتابه المعروف بأفكاره البشعة Mein Kampt (كفاحي) واستعرض فيه بالتفصيل برنامجه السياسي.

 

في الثلاثين من يناير كانون الثاني قام الرئيس باول فون هيندنبورغ بتعيين أدولف هتلر مستشاراً لألمانيا, بعد أن حصل الحزب النازي على نسبة هامة من الأصوات في انتخابات عام ١٩٣٢. وقام النازيون بالتحريض على الاصطدامات مع الشيوعيين, الذي كان الكثيرون يشكون من أنهم يعرقلون خطوات الحكومة, بواسطة المظاهرات. كما أداروا حملة دعائية شريرة ضد الخصوم السياسيين للحزب النازي, وضد حكومة فايمار الضعيفة, وضد اليهود الذين نسب إليهم التسبب في مشاكل ألمانيا المختلفة.

كانت اللاسامية, أو كراهية اليهود, موجودة في ألمانيا وفي دول أوروبية أخرى طوال مئات السنين, إذ كانت تغذيها العقائد المسيحية, وتعززها نظريات اجتماعية واقتصادية وسياسة معينة. إلا أن اللاسامية الجديدة التي تبناها هتلر كانت تستند إلى العرقية, وتؤكد أن اليهود يتوارثون ” دما شريرا”. وكانت هذه اللاسامية العرقية أداة قوية في الدعاية السياسية لهتلر.

كانت الصحيفة الأسبوعية النازية ” دير شتيرمر” (المهاجم) أداة رئيسية في خدمة الهمجية الدعائية النازية. ففي أسفل الصفحة من كل عدد كانت الصحيفة تعلن, بأحرف سميكة: ” اليهود هم حظنا السيئ ” . وكانت ” دير شتيرمر” تنشر رسومات كاريكاتيرية يظهر فيها اليهود معقوفي الأنوف وشبيهين بالقرود. وكان تأثير هذه الصحيفة بعيد المدى : ففي سنة ١٩٣٨ كانت الصحيفة توزع نصف مليون نسخة أسبوعيا.

بعد أن أصبح هتلر مستشاراً لألمانيا, دعا فوراً إلى إنتخابات جديدة, لغرض السيطرة التامة على البرلمان الألماني ” الرايخستاغ” . وقام النازيون باستعمال الجهاز الحكومي لإرهاب الأحزاب الأخرى, فاعتقلوا قادة هذه الأحزاب ومنعوا اجتمعاتها السياسية. ثم, وعندما كانت المعركة الانتخابية في أوجها, أُحرقت بناية الرايخستاغ في ٢٧ فبراير شباط ١٩٣٣. وتم اعتقال مواطن هولندي اسمه مارينوس فان دير لوبية بتهمة حرق البناية, وأقسم هذا بأنه تصرف لوحده. ورغم أن الكثيرين شككوا في أن النازيين كانوا مسؤولين عن العملية, فقد نجح النازيون في إلقاء اللوم على الشيوعيين, فحصلوا على مزيد من أصوات الناخبين.

 

كان الحريق إشارة واضحة إلى سقوط الديمقراطية الألمانية. ففي اليوم التالي قامت الحكومة, تحت ستار الادعاء بالسيطرة على الشيوعيين, بإلغاء الحريات الفردية, وفي مقدمتها حرية الصحافة وحرية الاجتماع وحرية التعبير عن الرأي, والحق في حياة خصوصية. وعندما أجريت الانتخابات في الخامس من مارس آذار, حصل النازيون على نسبة ٤٤٪ من الأصوات, وحين انضم إليهم المحافظون الذين حصلوا على نسبة ٨٪ من الأصوات, ضمن النازيون لأنفسهم الأغلبية في الحكومة.

 

وأسرع النازيون إلى تعزيز قوتهم وتحويلها إلى دكتاتورية. وفي ٢٣ مارس آذار سنوا القانون الخاص بذلك. وعزّز القانون جهود هتلر الدكتاتورية ومكّنه من مد سلطته إلى أبعد من ذلك. وقام النازيون بإدارة آلات دعايتهم المخيفة لإسكات منتقديهم, وقاموا أيضاً بتطوير جهاز عسكري وبوليسي قوي.

 

وساعدت قوات الصاعقة ( ال ” إس. أي . ), وهي منظمة ذات قاعدة شعبية, بمساعدة هتلر, في نسف الديمقراطية الألمانية. وبعد الثامن والعشرين من شباط, حصل الغيستابو ( البوليس السري للدولة ) وهو قوة تم تجنيدها من ضباط الشرطة المحترفين, على حرية اعتقال أي شخص. أما ال ” إس . إس ” (وهي قوات الحماية ) فكانت مكلفة بمهمة الحراسة الشخصية لهتلر, وفيما بعد بالسيطرة على معسكرات الاعتقال وعلى الغيستابو, في حين ال” إس . دي .” ( خدمات الأمن الخاصة بالإس . إس. ) كانت تعمل كجهاز استخباري نازي, يقوم بالكشف عن الأعداء ومراقبتهم.

 

مع إتمام هذه البنية التحتية للبوليس, تم إرهاب المعارضين للنازيين, وضربهم او إرسالهم إلى أحد معسكرات الاعتقال التي أقامها النازيون لسجن المعارضين. وكان معسكر داخاو, بالقرب من ميونيخ, أول معسكر يقام للسجناء السياسيين. ثم تغيّر الغرض من داخاو مع مرور الزمن, فأصبح أحد المعسكرات الوحشية التي خصّصت لليهود.

 

في نهاية عام ١٩٣٤ كان هتلر قد أصبح الحاكم المطلق لألمانيا, وأصبحت حملته ضد اليهود تدار بكل قوة. وادعى النازيون بأن اليهود أفسدوا الثقافة النازية النقية, بتأثيرهم ” الأجنبي” و ” المهجن” . وقام النازيون بعرض اليهود بصفة عنصر شرير وجبان, وبعرض الألمان بصفة شعب شجاع وشريف ومنصرف إلى العمل. وادعى النازيون بأن اليهود, الذين كانوا واسعي النفوذ في ميادين المال والتجارة والصحافة والأدب والمسرح والفنون, يقومون بإضعاف الاقتصاد الألماني والثقافة الألمانية.

 

أصبح ” الآريون” , أي الألمان, يُعتبرون عنصرا عاليا. وكانت دراسة لغوية قد بدأت في القرن الثامن عشر قد قررت أن اللغة الهندو- ألمانية (المعروفة أيضاً بالآرية) تتفوق في مبناها وتنويعاتها ومفرداتها على اللغات السامية, التي تطورت في الشرق الأوسط. وأدت هذه الفكرة إلى التشكيك في شخصية الشعوب الناطقة بهذه اللغات, وإلى النتيجة القائلة بأن الأقوام الآرية أرقى من الأقوام السامية.

وهكذا التزم النازيون بالمحافظة على ” طهارة الدم الألماني” . ففي بداية الحرب العالمية الثانية, بدأ النازيون بالقتل المبرمج للمقيمين في الملاجئ والمصحات العقلية. وبموجب البرنامج المعروف باسم تي- ٤, تم قتل عشرات الألوف من المعاقين والمتخلفين والمرضى النفسيين الألمان في غرف الغاز. ولما كان برنامج تي – ٤ قد سبق عمليات قتل اليهود, فمن المعقول الافتراض بأن البرنامج كان يعتبر نموذجاً ل ” الحل النهائي لموضوع اليهود” . صحيح أن النازيين اضطهدوا أقليات أخرى أيضاً, مثل شهود يهوه, الذين رفضوا إطاعة القوانين النازية. كما اضطهدوا أحادي الجنس, الذين اعتبروا من ” الشواذ اجتماعياً” والغجر ( روما أو روماني), الذين اعتبروا منبوذين, وكان مصيرهم التعقيم والقتل الجماعي, وكذلك الجنس السلافي, الذين اعتبر ابناؤه من الواطئين عرقياً, وخصّصوا لخدمة ” الجنس الآري” – الألمان. في حين أن المثقفين التشيك والروس تم قتلهم باعتبارهم عناصر غير ضرورية تنتمي إلى ” عنصر العبيد” . إلاّ أن اليهود اعتُبروا العدو الأول, وحكم عليهم بالتصفية والإبادة التامة, عالمياً. ذلك إضافة إلى محو أي آثار لنفوذ اليهود على الحضارة الأوروبية, بما في ذلك مساهمة اليهود في أنظمة الحكم الليبرالية والديمقراطية من جهة والأنظمة الشيوعية من جهة أخرى.

 

 

قام النازيون بمزج نظرياتهم العنصرية بنظرية النشوء والارتقاء التي وضعها تشارلز داروين, وذلك لتبرير معاملتهم لليهود. فالألمان, باعتبارهم الأقوى والأكثر ملاءمة, كتب عليهم أن يحكموا, في حين أن الضعفاء والمشوهين عنصرياً كاليهود – محكوم عليهم بالفناء. وبدأ هتلر بتطويق اليهود بالإرهاب وبالتشريعات, وحتّم ذلك إحراق الكتب التي ألفها اليهود, وإزاحة اليهود عن مهنهم وعن المدارس العامة, مصادرة أموالهم وممتلكاتهم وعزلهم عن النشاطات الشعبية. وكانت أسوأ التشريعات المعادية لليهود وهي قوانين نيرنبرغ, التي سُنّت في ١٥ سبتمبر أيلول ١٩٣٥. وكوّنت هذه القوانين الأساس القانوني لعزل اليهود عن المجتمع الألماني, كما جاءت بسياسات المضايقة التي تم انتهاجها ضد اليهود تتصاعد وتتزايد. حاول الكثير من اليهود الهرب من ألمانيا, ونجح الألوف في الهجرة إلى بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا وبريطانيا وفرنسا وهولندا. إلاّ أنه كان أصعب بكثير الخروج من أوروبا, إذ وقفت في وجه اليهود قوانين هجرة تضع القيود وتحدد الحصص, أي أعداد الذين يسمح لهم بالدخول – في أغلب دول العالم. وحتى عندما حصل البعض على الوثائق الضرورية, كان عليهم الانتظار شهوراً أو سنين قبل أن يتسنى لهم السفر. وبسبب اليأس قامت عائلات كثيرة بإرسال أولادها إلى الخارج أولاُ. وفي يوليو تموز ١٩٣٨ اجتمع مندوبون من اثنتين وثلاثين دولة في مدينة ايفيان الفرنسية لمناقشة مشاكل الهجرة التي خلقها النازيون في ألمانيا. ولم يُتخذ أي قرار مهم أو عملي في مؤتمر إيفيان, في حين تبيّن لهتلر أن لا أحد يرغب في اليهود, وانه لن يلاقي أي مقاومة في تنفيذ سياسته. وفي خريف ١٩٤١ كانت أوروبا مغلقة عملياُ, وكان اليهود قد وقعوا في الشرك.

 

 

 

في – ١٠ نوفمبر تشرين ثاني ١٩٣٨, ازدادت الهجمات على اليهود وحشية. وقام صبي يهودي في السابعة عشرة من عمره, اسمه هرشل غرينشبان, أصيب باليأس إثر طرد عائلته, بإطلاق النار على السكرتير الثالث في سفارة ألمانيا في باريس, ارنست فون رات, الذي توفي في التاسع من نوفمبر. واتخذ السفاحون النازيون هذا الحادث ذريعة للقيام بليلة من التدمير عرفت باسم

” كريستالناخت” ( أي ليلة البلور – الزجاج المهشم), فسرقوا ونهبوا ودمروا المساكن وأماكن العمل اليهودية, واشعلوا النار في الكنس. وتعرّض الكثير من اليهود للضرب والقتل, وتم اعتقال ما لا يقل عن ٣٠٫٠٠٠ يهودي وإرسالهم إلى معسكرات الاعتقال.

 

وهاجمت ألمانيا بولندا في سبتمبر أيلول ١٩٣٩, وبدأت بذلك الحرب العالمية الثانية. وبعد ذلك بقليل, في عام ١٩٤٠, بدأ النازيون في عزل يهود بولندا في أحياء الغيتو. وكان أكثر من ١٠٪ من المواطنين البولنديين يهوداً, حيث بلغ عددهم حوالي ثلاثة ملايين. وتم انتزاع اليهود من بيوتهم وإسكانهم في أحياء الغيتو المزدحمة, حيث فصلتهم الأسوار والأسلاك الشائكة عن بقية السكان. وسهّلت هذه الإجراءات على النازيين, فيما بعد, نقل اليهود إلى معسكرات الإبادة. وأرغم اليهود المتواجدين في أحياء الغيتو على ارتداء علامة خاصة على ثيابهم تشير إلى يهوديتهم وإلى كونهم في وضع منحط قياسيا مع سائر السكان. وفي معظم الدول التي احتلها النازيون أُرغم اليهود على ارتداء شارة نجمة داود الصفراء لتكون وسام عار تميّزهم عن سائر المواطنين. وكانت الظروف المعيشية في أحياء الغيتو قد تدهورت بسرعة يوماً بعد يوم حيث حُرّم سكان الغيتو تدريجيا ممّا كانوا يحتاجون إليه من الطعام والماء ومتّسع العيش والخدمات الصحية والأدوية وسرعان ما توفي عشرات الألوف نتيجة العوز والجوع وتفشي الأوبئة والأمراض المعدية.

في يونيو حزيران ١٩٤١, شنت ألمانيا هجوماً على الاتحاد السوفياتي, وبدأت بتنفيذ ” الحل النهائي” . وتم تشكيل أربع وحدات قتل تحمل اسم ” آينزاتسغروبن” : أ, ب, ج, و- د. وكانت كل وحدة تشمل عددا من فصائل الكوماندو. وقامت الآينزاتسغروبن بتجميع اليهود في المدن, الواحدة بعد الأخرى, وسارت بهم إلى حفر هائلة تم اعدادها مسبقا, ثم أمرتهم بنزع ثيابهم, وبالوقوف في صفوف, وأطلقت عليهم النار من أسلحة أوتوماتيكية, فسقط القتلى في الحفر التي تحولت إلى قبور جماعية. وفي مذبحة بابي يار الرهيبة, بالقرب من كييف, قُتل خلال يومين بين ٣٠,٠٠٠ و ٣٥,٠٠٠ من اليهود. بالإضافة إلى العمليات التي نفذت في الاتحاد السوفياتي, قامت الآينزاتسغروبن بإدارة عمليات قتل جماعي في شرق بولندا, واستونيا وليتوانيا ولاتفيا. وتشير التقديرات إلى أن الآينزاتسغربن قامت, حتى نهاية عام ١٩٤٢, بقتل أكثر من ١,٣ مليون من اليهود.

 

 

وفي يناير كانون الثاني ١٩٤٢, اجتمع عدد من كبار المسؤولين في الحكومة الألمانية لتنسيق الفروع العسكرية والمدنية للآلة النازية, لغرض تنظيم عملية قتل جماعي لليهود. وكُرِّس هذا الاجتماع, الذي أطلق عليه اسم مؤتمر فانزيه, لاتخاذ الإجراءات البيروقراطية وإجراء التنسيق اللازم بين مختلف دوائر النظام النازي من أجل تنفيذ عملية التصفية الكلية والشاملة لليهود, علماً بأن هذه العملية كانت قد بدأت فعلاً في أعقاب الغزو النازي للاتحاد السوفياتي.

 

وحسب التعبير المنمّق الذي استعمله النازيون, خُصّصت لليهود ” معاملة خاصة” . وكانت ” المعاملة الخاصة” تعني أن اليهود – رجالاً ونساءً وأطفالاً – ستجري تصفيتهم وإبادتهم بانتظام, بالغاز السام. وفي المستندات الدقيقة التي تم حفظها في معسكر الموت أوشفيتس, استُعمل الحرفان SB للإشارة إلى سبب موت اليهود الذين تم تسميمهم بالغاز. ويرمز هذان الحرفان إلى الاصطلاح الألماني ” معاملة خاصة” .

بين يناير كانون الثاني ١٩٤٢ وربيع تلك السنة قام النازيون بتأسيس ستة مراكز لإبادة اليهود في بولندا, وهي: خيلمنو, بيلزيتس, سوبيبور, تريبلينكا, مايدانيك وأوشفيتس. وأقيمت كل هذه المعسكرات بالقرب من سكك الحديد, لكي يتم نقل اليهود إليها بسهولة. وأقيمت شبكة من المعسكرات أطلق عليها اسم”Lagersystem ” لتدعيم معسكرات الإبادة. وكانت لهذه الشبكة مهمات متنوعة : فبعضها كانت معسكرات عمل عبوديّ, وبعضها معسكرات انتقال, وبعضها معسكرات تجميع لها تقسيمات داخلية, وبعضها كانت معسكرات موت معروفة بفظاعتها. بعض هذه المعسكرات قامت بكل هذه العمليات معا, وبعضها قامت بجزء من العمليات. إلا أن المشترك بينها جميعاً كان القسوة والوحشية إلى أقصى حد.

وكانت هناك معسكرات كبيرة للاعتقال, بينها: رافنسبروك وبيرغن – بيلزن, وزاكسنهاوزن وغروس – روزن وبوخنفالد وتريزينشتات وفلوسنبورغ وداخاو وماوتهاوزن وشتوتهوف وغيرها.

 

ونقل اليهود من أحياء الغيتو ومراكز الاعتقال إلى معسكرات الإبادة بواسطة عربات القطار التي كانت تُستخدم لنقل قطعان البقر. وكانت معسكرات الإبادة هذه في الواقع معامل لقتل اليهود, حيث قام الألمان بنقل الآلاف من اليهود إليها كل يوم. وفي خلال ساعات قليلة من وصولهم, تم تجريدهم من كل ما يحملونه وما يمتلكونه, ثم تم تسميمهم بالغاز وحرق أجسادهم في محارق صُمّمت لهذا الغرض. وتم في معسكرات الإبادة قتل حوالي ٥٫٣ مليون من اليهود.

ومع هذا فإن الكثير من الشباب الأقوياء والأصحاء لم يُقتلوا على الفور. فقد تطلب المجهود الحربي, وكذلك ” الحل النهائي”, الكثير من الطاقات البشرية, وهكذا قام الألمان بالاحتفاظ بطاقات عمل كثيرة للعمل الإجباري, ولم يدفعوا الجميع إلى المحارق في الحال. واُجبر هؤلاء الناس, الذين كانوا مسجونين في معسكرات الاعتقال, على العمل في مصانع الذخيرة الألمانية, مثل مصانع آ. غي. فاربن ومعامل كروبس, وحيثما احتاج النازيون إلى عمّال. وسُخّروا لعمل من الفجر حتى الظلام, ولم يوفّر لهم سوى حد أدنى من الطعام والحماية من الظروف القاسية. ومات منهم الالوف, أو قضى عليهم نتيجة العمل الشاق تحت أوامر الألمان والمتعاونين معهم. وفي أواخر أيام الرايخ تحت حكم هتلر, عندما تراجعت الجيوش الألمانية, قام النازيون بسوق السجناء الذين ظلوا على قيد الحياة في معسكرات الاعتقال إلى المناطق التي كانت لا تزال تحت السيطرة الألمانية. وتم ذلك في نطاق ما أطلق عليه فيما بعد اسم “مسيرات الموت” ومات غالبيتهم أو أطلق عليهم الرصاص وهم في الطريق. وهكذا قضي على حوالي ربع مليون من اليهود نتيجة هذه المسيرات.

أدى القمع الألماني الساحق ووجود عدد كبير من المتعاونين مع النازيين بين السكان المحليين إلى الحدّ بدرجة كبيرة من قدرة اليهود على المقاومة. إلا أن المقاومة اليهودية ظهرت مع ذلك في أشكال عدة. وكان البقاء على قيد الحياة, والحفاظ على النظافة, والالتزام بالتقاليد الدينية اليهودية – تعتبر في حد ذاتها مقاومة – في ظروف المعاملة اللاانسانية التي فرضها النازيون. أما أنواع المقاومة الأخرى, فتمثلت في محاولات الهرب من أحياء الغيتو والمعسكرات. وأقام الكثيرون ممن نجحوا في الهرب إلى الغابات والجبال في مخيمات عائلية ومع وحدات المقاومة ضد النازيين. ومع ذلك, فقد كان عليهم, بعد وصولهم إلى الحرية, أن يتعاملوا مع السكان المحليين ومجموعات المقاومة, التي كانت تناصبهم العداء أحياناً. وأقام اليهود عدة حركات للمقاومة ضد النازيين في غيتو فيلنا وغيتو بياليستوك, وفي كوفنا وكراكوف ومينسك ووارسو وغيرها من المدن.

وفي غيتو وارسو نشبت الثورة الكبيرة. فقد قام النازيون بنقل أعداد كبيرة من سكان غيتو وارسو إلى معسكرات الإبادة بين يوليو تموز وسبتمبر أيلول ١٩٤٢, وتم إخلاء الغيتو من معظم اليهود الذين كانوا مسجونين فيه. وعندما دخل الألمان إلى الغيتو في يناير كانون الثاني ١٩٤٣ لنقل عدة آلاف أخرى, قامت جماعات صغيرة غير منظمة من اليهود بمهاجمتهم. وبعد أربعة أيام, انسحب الألمان من الغيتو, إلاّ أنهم لم ينجحوا في إخلاء سوى عدد قليل من اليهود. وفي ١٩ إبريل نيسان ١٩٤٣, عشية عيد الفصح, عاد الألمان فدخلوا الغيتو لإخلاء ما تبقى من اليهود وإغلاق الغيتو. وقام اليهود وصمدوا أمام الألمان ٢٧ يوماً متتالياً, مستخدمين القنابل المصنوعة في البيت والأسلحة التي كانوا قد نجحوا في سرقها أو حصلوا عليها بالمقايضة. وحارب اليهود في الخنادق وفي المجارين وتهربوا من الاعتقال, إلى أن قام الألمان بإحراق الغيتو بناية بعد أخرى. وفي ١٦ مايو أيار أصبح غيتو وارسو خراباً يبابا, وقُضي على الثورة.

 

إثر تقدم الحلفاء واندحار الألمان, تم تحرير المعسكرات تدريجياً. ففي يوليو تموز ١٩٤٤, قامت القوات السوفياتية بتحرير مايدانيك ( بالقرب من لولبلين في بولندا). كذلك حرّر السوفيات أوشفيتس في يناير كانون الثاني ١٩٤٥, وقام البريطانيون بتحرير بيرغن – بيلزن ( بالقرب من هانوفير في ألمانيا) في إبريل نيسان ١٩٤٥. وقام الأمريكيون بتحرير داخاو في إبريل نيسان ١٩٤٥.

 

وفي نهاية الحرب, كان هناك ما بين ٥,٠٠٠ و – ١٠,٠٠٠ من اليهود يعيشون في المناطق التي احتلتها قوات الحلفاء: الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفياتي. وخلال عام واحد, ازداد عددهم إلى حوالي ٢٠٠,٠٠٠ نسمة. وكان حوالي ٩٠٪ من اللاجئين اليهود في المنطقة التي احتلتها القوات الأمريكية. ولم يرغب اللاجئون اليهود, ولم يكن في استطاعتهم, العودة إلى بيوتهم, التي كانت تعيد لهم الذكريات الفظيعة, كما ويكمن فيها احتمال تعرضهم لخطر الاعتداء من قبل جيرانهم اللاساميين. وهكذا بقوا في معسكرات اللاجئين حتى أصبح بالإمكان ترتيب هجرتهم إلى فلسطين, وبعد ذلك إسرائيل, أو إلى الولايات المتحدة أو أمريكا الجنوبية ودول أخرى. وتم إغلاق آخر معسكر للاجئين في عام ١٩٥٤.

 

 

ان الوقت الذي مر منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لم يؤد إلى شطب موضوع الكارثة من جدول أعمال الشعب اليهودي وشعوب كثيرة أخرى. وعندما ننظر حالياً إلى الوراء يبدو النصف الأول من القرن العشرين كعهد من الحروب المصيرية وأنظمة الحكم الدكتاتورية كانت تعمّه العبودية والخراب والدمار. من جهة أخرى, تبدو لنا الفترة فيما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بأنها تحمل في طيّاتها تغيرات إلى الأفضل في العالم, وذلك على الرغم من النزاعات القومية والدولية العديدة التي لا تزال العديد منها مندلعة حتى أيامنا هذه والتي كثيرا ما تنطوي على القتل وسفك الدماء. وتحدث مثل هذه المواجهات العنيفة المتواصلة في إسرائيل ودول الشرق الأوسط أيضاً. من جهة أخرى, يمكننا أن نأمل بأن كل هذه الويلات التي نشهدها حالياً إن هي إلاّ آلام المخاض في سبيل تكوّن عالم أفضل. ولكن ظل الكارثة, المشحون بالتساؤولات وعلامات الاستفهام التي لا جواب لها, لا يزال يخيم على هذه الصورة للمستقبل الواعد.

 

 

ومن بين هذه التساؤولات – كيف كان من الممكن أن تحدث مثل هذه الجريمة النكراء بمثل هذا الحجم المروع في أواسط القرن العشرين, في قلب أوروبا المعاصرة؟ كيف يعقل أنه في مثل هذه الدولة المتقدمة التي أصبح شعبها مثالاً يقتدى به من الناحية الثقافية, تم تقديم الدعم الساحق لعملية إبادة شعب مدبّرة؟ كيف حدث أن تكون سلطات الدولة قد خططت ونفذت عملية قتل شعب لم تكن هناك أي مواجهة معه بل كان عاجزاً عن الدفاع عن نفسه؟ وفوق كل ذلك هناك سؤال مزعج يطرح نفسه – ما هو الشيئ الذي حوّل الناس إلى قتلة من جهة ومتفرجين من جهة أخرى, حيث يقفون مكتوفي الأيدي ويقومون باقتراف الجريمة أو يقبلون بارتكابها؟

 

وأدت هذه التساؤولات إلى ظهور أجوبة وتفسيرات عديدة. ولكنه, وعلى الرغم من جميع محاولاتنا ومن الأجوبة الجزئية المقترحة, لا يمكن توفير رد شامل, أو الإشارة إلى الطرق الكفيلة بالحيلولة دون تكرار مثل هذه الظواهر في المستقبل.

هل كانت الكارثة حدثاً مميزاً فريداً من نوعه, وإذا كان هكذا – ما هي الأشياء التي تعطي الكارثة هذا الطابع المميّز؟

 

هناك من يبدي تحفظات من تعريف الكارثة بأنها حدث فريد من نوعه لا سوابق له. ويشير هؤلاء إلى أن أعمال قتل ومذابح عديدة وقعت على امتداد التاريخ, مثل الإبادة الجماعية للهنود الحمر في أرجاء الولايات المتحدة, كما وقعت أعمال قتل جماعية تنطوي حقا على إبادة مجموعات عرقية أو دينية كبيرة ( جينوسايد) في الفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها, في دول مثل الاتحاد السوفياتي, الصين, يوغوسلافيا ورواندا.

 

إن التمييز لمعرفة الطابع المميز والفريد من نوعه لحدث وقع في المجتمع البشري يلزم بمقارنة هذا الحدث مع أحداث مشابهة أو مماثلة في الماضي. وفعلا, فإن الأبعاد التي تنطوي عليها مثل هذه المقارنة تشير إلى أنه توجد في الكارثة عناصر عديدة لا يمكن العثور عليها في أحداث أخرى للقتل والمذابح.

وتشتمل المكونات الرئيسية التي تقدم للكارثة طابعاً مميّزاً قياسياً مع أحداث قتل جماعية أخرى على الأبعاد التالية:

أ‌) لم تكن لليهود أي مواجهة أو خصومة مع الألمان, بل عكس ذلك كان صحيحاً, حيث كان العديد من أبناء الجاليات اليهودية في ألمانيا وخارجها ينظرون بإيجاب إلى الدولة الألمانية وثقافتها. أما المذابح وأعمال القتل الجماعية التي تعرض لها شعوب أخرى, فوقعت على خلفية وجود نزاعات قومية أو سياسية, حيث كانت هناك اعتبارات عملية أمام نصب عيون مرتكبي هذه الأعمال. أما في العلاقات بين اليهود والألمان, فكان السبب الوحيد الذي دفع بالألمان إلى ارتكاب أعمالهم العقيدة النازية العنصرية وما رافقها من مشاعر اللاسامية المتطرفة.

ب) العقيدة النازية ونظام الحكم الذي تم تكوينه بموجبها لم يعتبرا اليهود شعباً أو ديانة وإنما عنصراً. ولم يتم اضطهاد اليهود وقتلهم لأنهم وضعوا المخاطر بوجه الألمان, وإنما على خلفية اتهامات خيالية ملفقة من أن اليهود يشكّلون تهديداً على الإنسانية جمعاء وخاصة على أبناء العنصر الآري.

ج) لقد تمت ملاحقة اليهود واضطهادهم بصورة مطلقة. وقد حكم بالموت على كل من كان ينتمي إلى الجيل الثالث من ذرية اليهود على الأقل. وخلال الحرب العالمية الثانية تعرّض النازيون لغير اليهود أيضاً, مثل طبقة المثقفين في بولندا وأعضاء حركات المقاومة وضباط الجيش الأحمر السوفياتي, ولكن هؤلاء كانوا معارضين حقيقيين أو محتملين للنظام الهتلري. أما اليهود, فقد حكم عليهم بالقتل الجماعي والعشوائي وللمحو الكلي عن وجه الأرض, لمجرد كونهم يهوداً.

د) لقد تم التخطيط لعملية القتل الشاملة وتنفيذها من قبل مؤسسات الدولة. واستمر النازيون يتمسكون بتنفيذ ” الحل النهائي” حتى بعد أن اتضح بأن مهمة ارتكاب القتل أصبحت ستتناقض ومصالح المجهود الحربي والاقتصادي للرايخ الألماني.

 

إن البُعد الأيديولوجي, عملية القتل الشاملة والمطلقة والبُعد الدولي الخاص بضرورة قتل اليهود أينما كانوا, تجعل الكارثة حدثاً منقطع النظير.

 

هل كانت الكارثة بمثابة ظاهرة فظيعة ومروعة وقعت لمرة واحدة, أو هل يمكن أن يتطوّر هناك حدث آخر من هذا القبيل في المستقبل؟ إذا أردنا الإجابة على هذا السؤال بدون أن نحاول التنبؤ بالمستقبل, فيمكننا أن نقول إن الدمج النادر للظروف التي ظهرت إبان الكارثة شاذ واستثنائي وإن احتمال تكراره ضئيل للغاية. ومن الأفضل أن نعتبر الكارثة بمثابة إنذار يلزمنا بالعمل على الحيلولة دون تكرار ظاهرة مماثلة أو مشابهة في المستقبل.

 

 

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

حرب يوم الغفران ( تشرين الأول أكتوبر 1973)

أطلِق على الحرب هذا الاسم نظرًا لنشوبها في أقدس يوم لليهود، يوم الغفران (6 من …