رسالة مفتوحة الى أركان الدولة اللبنانية والمطلب واحد : “الاعتذار العلني والصريح “

رسالة إلى أقطاب الدولة اللبنانية

لقد مرّ على هجرتنا القسرية 18 عامًا، ولم تتحرّكْ الدولة التي توارثتموها منذ الإستقلال ولغاية اليوم بالإهتمام بشؤوننا الإجتماعية والسياسية والأمنية، وللأسف فقد تمّتْ عملية بيع منطقة الجنوب وأهل الجنوب في العام 1969، وتحديدًا بتاريخ: 3/11/1969، بين رئيس البعثة الجنرال إميل بستاني، وبين منظمة التحرير الفلسطينية، حيث إجتمعوا في القاهرة، وحضر عن الجمهورية العربية المتحدة محمود رياض وزيرالخارجية، والسيد الفريق أول محمد فوزي وزير الحربية، وتضمنّ هذا الإتفاق المذل العديد من النقاط التي أخّلت بالتوازنات وبمضمون الدستور اللبناني، وشرعة حقوق الإنسان ، ونذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر، البند الأول والذي نصّ على : ” حق العمل والإقامة والتنقّل للفلسطينيين المقيمين في لبنان “، والبند الرابع والذي نص على : “السماح للفلسطينيين المقيمين في لبنان بالمشاركة في الثورة الفلسطينية من خلال الكفاح المُسلّحْ ضمن مبادىء سيادة لبنان وسلامته “ ووجود منظمة التحرير في لبنان زجّ بالدولة اللبنانية في نزاعات إقليمية، والدولة اللبنانية تفتقر إلى ادوات السلطة التي تتمتّع بها جميع الدول ذات السيادة، ومنظمة التحرير كانتْ تلقى الدعم الواسع من الأنظمة العربية التي شاءت أنْ تكون أرض لبنان ساحة صراع حيث أضحى لبنان الخاسر الأكبر بدءًا من إتفاقية القاهرة وصولاً إلى مراحل الحرب. وهنا نسألكم عن مبادىء الحفاظ على السيادة والتي تجَلّت بالإعتداء السافر على مراكز الجيش المنتشرة على طول الحدود ؟ ! كما تضمّن الإتفاق المُذّلْ تسهيل العمل الفدائي وذلك عن طريق :

1. ” تسهيل المرور للفدائيين وتحديد نقاط مرور وإستطلاع في مناطق الحدود . “

2. ” تأمين الطريق إلى منطقة العرقوب ” .

أيها السادة،

إزاء مضمون هذا الإتفاق المذل الذي تخلّى أسلافكم عن السيادة اللبنانية خارقين العديد من المواد الدستورية، والتي تنص على أنّ لبنان سيّد حر مستقل، وعلى العدالة الإجتماعية، وغيرها من مواد دستورية، إضافة إلى خرق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخصوصًا في المواد الآتية : 1 – 3 – 14 الفقرة الأولى – وغيرها من مواد ميثاقية قائمة ومعترف بها، ودولة لبنان عضو في هيئة الأمم المتحدة وملتزمة بكافة القوانين الصادرة والملزمة .

من العام 1969 ولغاية العام 2000، تاريخ الإنسحاب الأحادي كُتِبَ على الشعب الجنوبي مسيرة القهر والإستلشاء، وغياب كُلّي للدولة وأجهزتها الرسمية، وسيطرة منظمة التحرير الفلسطينية على جزء من الجنوب للقيام بأعمال عدوانية على الأهالي العُزّلْ المتروكين للقدر من قبل دولةٍ تخلّت عنهم طوعًا وبإتفاق موقّع من بعض أركانها …

أيها السادة،

• في بداية التسعينات، أوقفتْ الحرب في لبنان ، في 23 تشرين الأول 1989، وفي الخطاب الأول للرئيس رينيه معوّض المنتخب وفقًا للوثيقة والمؤرخ في 5 تشرين الثاني 1989، في مطار القليعات والذي تضمّن في أحدى فقراته ” وأكثر ما يلّح علينا في هذه المرحلة هو إزالة الإحتلال الإسرائيلي عن الجنوب لتنفيذ قرارات مجلس الأمن ...” وورد في الخطاب الثاني عشية عيد الإستقلال والمؤرخ بتاريخ :21 تشرين الثاني 1989 ” لقد تحمّل أولادنا في الجيل الطالع الكثير من أرزاء الحرب، ولم ينعموا بخيرات السلم، وحُرموا التمتّعْ بأحلى سنيّ العمر ، فحقٌ لهم علينا ، المزيد من التفهّمْ والإهتمام والرعاية …” كما ورد في خطاب أداء اليمين الذي ألقاه الرئيس إلياس الهراوي بتاريخ 24 تشرين 1989 ، ما يلي : ” وخيار اللبنانيين بين أنْ يبقى جزء من أراضي وطنهم تحت نير الإحتلال الإسرائيلي ، وبين أنْ نحرره بتطبيق القرار 425، الصادر عن مجلس الأمن الدولي ، وبإعادة بناء جيش وطني قادر وقد إخترنا بإسمهم إستعادة سيادتنا وتحرير أرضنا وتوحيد شعبنا .” وفي البيان الصادر عن حكومة الرئيس سليم الحص أثناء طلبها الثقة ورد ما يلي : ” … كما تتعهد بإزالة كل آثار الحرب ورواسبها وإفرازاتها ومعالجة نتائجها … ولن تدخر وسعًا في العمل على تحرير الأرض من الإحتلال الإسرائيلي …. “ وفي خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس المنتخب العماد إميل لحود بتاريخ 24 تشرين الثاني 1998 ، ورد ما يلي : “ إنّ كل السلام في مفهومنا يعني أنّ للبنان مصلحة وطنية عليا ثابتة ودائمة ومصيرية ، تقضي أيّا تكن الظروف والإعتبارات ، بتلازم المسار مع سورية على قاعدة الإنسحاب الإسرائيلي الشامل من الجنوب اللبناني والبقاع الغربي والجولان على حدٍ سواء وفقًا لقرارات الأمم المتحدة ، وحينذاك يكون سلام بكل ظروفه ونتائجه على الجميع ، بدا فيها الأمن والمصالح الأخرى “. وبالطبع من حقنا الطبيعي مع السرد التاريخي لموجز هذه الخطب أنْ نسأل عن المانع الذي أرخى بظلاله عن إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب وفقًا للرغبات الرئاسية كما ورد في الخطب ؟ وهل أهل الجنوب يتحمّلون تقاعس الرؤساء والحكومات ؟! وكلنا يعلم مشاريع العرقلة التي خطّط لها كل من سورية وإيران لعرقلة الإنسحاب الأحادي من الجنوب اللبناني، والذي نفذها حزب الله طوعًا …

• في 20/1/1998 ، أعلنتْ دولة إسرائيل عن نيتها في إعادة إنتشار قواتها على طول الحدود الدولية ، وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 425 ، والذي تضمنته وثيقة الوفاق الوطني والتي تُشاركون في النظام على أساسها، وإتُخِذَ قرار الإنسحاب النهائي في 5/3/2000

في هذه الأثناء وبتاريخ 8/5/2000، وجّه قائد جيش لبنان الجنوبي اللواء أنطوان لحد كتابًا مفتوحًا إلى فخامة رئيس البلاد إميل لحود المؤتمن على الدستور والمواطنين اللبنانين، يطلب فيه نشر القوات النظامية اللبنانية، مكان القوى المنسحبة . وكلنا يعلم أنّ رئيس الجمهورية آنذاك لم يتمكّن من إرسال الجيش اللبناني نظرًا لهيمنة القرار السوري .

أيها السادة،

نفّذت إسرائيل الإنسحاب الأحادي وفقًا لِما هو مرسوم وبإشراف أكثر من بلد مشارك في مجلس الأمن وشاهد على أغلبية الإجتماعات التي كانتْ تحصل وللمطالبة الحثيثة لإرسال الجيش إلى الجنوب، ونذكركم بالوقائع التالية :

1. خطاب السيّد حسن نصرالله في 23/5/2000، والذي تضّمن التهديد وتوّعد أبناء المنطقة الحدودية .

2. دخول عناصر من حزب الله وإعتداءات بالجملة على مواطنين لبنانيين جنوبيين ذنبهم أنهم أُهْمِلوا من دولتهم ولجأوا إلى التعاطي مع إسرائيل سندًا للمادة الرابعة عشر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على : ” لكل ذو الحق في أنْ يلجأ إلى بلاد أخرى أو يحاول الإلتجاء إليها هربًا من الإضطهاد “.

3. دخول عناصر مسلحة خلافًا لإتفاق وثيقة الوفاق الوطني التي تتضمن في بعض بنودها ” حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية “، وأمعنت قهرًا وتنكيلاً بالمواطنين العزّل …

4. في هذا الوقت أصدرتْ الدولة اللبنانية أحكامًا تعسفية جائرة بحق الأهالي الذين لجأوا إلى إسرائيل، لطالما عتّمتْ الحكومات التي تعاقبت منذ الستينات ولغاية اليوم على أوضاعهم المأساوية والظروف القاسية واللاإنسانية التي مرّوا فيها، والمؤسف أنّ هذه الحكومات لم تعالج هذه المسائل الحسّاسة والخطيرة طوال فترة ممارسة أعمالها وفقًا للدستور، بل تمادتْ في غيّها وتنكرها للأعراف والقوانين وتركت شعبها يتعرض لشتّى أنواع الإبادة على أيدي مسلحين غرباء وأصيلين .

أيها السادة،

من المعيب إطلاق صفة العمالة على شعب حافظ على هويته وقوميته، وحضوره الحر والكريم في دار ، وبمبادرة ذاتية عندما تخلّت دولته عنه طوعًا وخلافًا للأصول الدستورية والقانونية، وهل يُعقل أنْ تطلقوا جذافًا على جيش لبنان الجنوبي وأهله صفة العمالة، وفي هذا الإطار نلفتكم إلى ما صدر عن أمين سر حركة فتح في لبنان السيد سلطان بو العينين لجريدة القدس العربية بتاريخ 5/4/2004 ، “ عناصر حزب الله قامتْ بإعتقال المقاومين الفلسطينيين وتقديمهم للمحاكمة … “ ونذكركم بالخلية الإرهابية في مصر، وتجارة السلاح التي فاقتْ كل الحدود والتي تخطّت القوانين سواء في لبنان أو في الخارج  ناهيك عن تهريب المخدرات الدولية، كلها من صنع حزب الله ، وهل يُعقل نعتْ جيش لبنان الجنوبي بالتعامل والخارج عن القانون ؟!

أيها السادة،

• إستنادًا إلى وثيقة التفاهم المعلنة بتاريخ 6 شباط 2006، ” وثيقة من 10 نقاط ، لصون لبنان وحمايته” والتي كرّست خرق الخط الأزرق وهذا ليس حاليًا من باب بحثنا، إنما نستند إلى البند السادس والذي يقع تحت عنوان ” اللبنانيون في إسرائيل ” .

• إستنادًا إلى خطاب قسم فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، في 26 أيّار 2008، فقرة ” في هذا السياق يأتي العمل الدؤوب لإطلاق الأسرى والمعتقلين وكشف مصير المفقودين، وإستعادة أبنائنا الذين لجاوا إلى إسرائيل، فحضن الوطن يتّسِعْ للجميع .”

لقد إنتظرنا كثيرًا تطبيق مضمون الوثيقة الموقعة والمشار إليها أعلاه، كما إنتظرنا تطبيق ما ورد في خطاب القسم، وهذا يعني إنّ تجاهل قضيتنا، يدل على إفلاس المسؤولين وعلى إسكات الشعب وإزلاله من خلال ما صدر من أحكام جائرة، أقل ما يُقال فيها أنها جريمة ضد الإنسانية لأنّ هناك إنتهاكًا لحقوق فئة من اللبنانيين حيث تُركوا وهجّروا ومن المتعارف عليه.

أيها السادة،

تُعّدْ مبادىء حقوق الإنسان من المسائل الحيوية في أية منظومة سياسية، وذلك لأهمية هذا المفهوم ودوره الحضاري في إرساء الأوضاع السياسية والأمنية والإجتماعية . وحسب العرف القانوني أنّ الناس تَوّلَدوا بحقوق غير قابلة للتصرف وهذه الحقوق الأساسية للمواطنين أعضاء المجتمع وحقهم في السعي إلى عيش كريم ولا يحق لأي سلطة أو حكومة أن تمنع هذه الحقوق لفئة وحرمان فئة أخرى منها  بل يتعيّنْ على جميع الحكومات أن تحمي شعوبها وتسمح بحرية تقوم على أسس العدل والتسامح والكرامة والإحترام. وطبعًا ذلك يكون بغض النظر عن العرق أو الدين أو الإرتباط السياسي أو الوضع الإجتماعي للناس. إنّ الأنظمة الدكتاتورية هي التي تحرم الناس من حقوق الإنسان، لأن حقوق الإنسان منظومة متكاملة وهي لا تتجزأ وهي تشتمل على جوانب متعددة للوجود الإنساني .

أيها السادة ،

رسالتنا طويلة بطول معاناتنا، والتي تسبّبت بها حكومات تعاقبت على النظام في لبنان، لذا عليكم الرجوع عن الأحكام التعسفية الجائرة التي صدرتْ بحقنا، إذ لا يجوز لأحد أنْ يُحاكمنا، ولا يجوز لأحد أنْ يُحاسبْ أهل الجنوبن والكل يعلم أنّ الحكومات المتعاقبة كانتْ السبب الأساسي والدافع الذي أرغمنا إلى اللجوء إلى دولة إسرائيل، حيث أضحينا نحن الجنوبيين الخاسر الأكبر بدءًا من توقيع إتفاقية القاهرة وصولاً إلى تقاعس حكوماتكم عن إرسال الجيش إلى ديارنا …

أيها السادة ،

نُطالبكم بالعودة عن الأحكام الجائرة التي أصدرتموها بحقنا، ونأمل منكم كأبناء حريصين على لبنانيتهم، وعلى هويتنا التي لن ولم نتخلّ عنها، وإيمانًا بقدسية قضيتنا التي تقدّست بدماء شهدائنا الذين ىسقطوا دفاعًا عن تراب الجنوب المُباع بموجب إتفاقيات الذل والإرتهان، وعليكم قراءة رسالتنا بتمعّن، وإنطلاقًا مما تقدم وفي ظلّ ما يشاع عن محاولة إصدار عفو عام عن “اللبنانيين في إسرائيل” فإننا نعلن رفضنا لكل قرار من هذا القبيل ونطالب بالتقيّد بمطلبنا الواحد وهو الاعتذار العلني والصريح من كل ما اتهمتونا به، لانه لم نعد نتحمّل الظلم ونحن نرى العميل والخائن الحقيقي في وطننا معززًا مكرمًا، بينما اجيال تعيش المنفى في اسرائيل وغيرها من دول الانتشار، مطلبنا الاعتذار والاعتراف بعدالة قضيتنا وتسوية ما ترتب عنها معنويًا ومادياً والا سيكون القانون الدولي وسيلة نُرجع بها ما اختدموه منا ، لأنّ العدل أساس الملك .

شاهد أيضاً

كان لنا بالامس استقلال فمضى ذكرى “بين نشيب وشكوى ونواح “

قبل72  عاماً، انتفض الجبابرة في بلادنا جاعلين من تمردهم ووطنيتهم مثالا يتكىء عليه التاريخ لسرد رواية …