لبنان الطبيعي حقيقة تاريخية / مي المر

كتب سعيد عقل (لسان الحال، 12-3-1975): “يسألنا عن حدود لبنان، وهل صحيح أنها ليست التي وضعها غورو؟ لبنان أثنان: أرض المجد. وهي ما يضمن الحياة للمدن التالية: أوغاريت، طرابلس، جبيل، بيروت، صيدا، صور، قانا، بعلبك. وقد تحقق مراراً في التاريخ… وكانت حدوده بين بحر الله (المتوسط) والتورات الثلاث: تورس (الجبل) وتور (أحد فروع بردى) وتورفونيكون (المرفأ الذي على البحر الأحمر). والأمكنة الثلاثة لا تزال بهذه الأسماء الى يومنا. والثاني لبنان الحد الأدنى. وهذا ما ينكمش الى ما هو اليوم مثلا، وربما الى أقل. مشروطاً فيه أن يبقى حق الروح ومحفظة التراث، الذي يهيئ لاستعادة لبنان ايل وفخر الدين”.

خطير أن نعرف أن اولا أن الدراسات المتعلقة بلبنان ما قبل التاريخ، أكدت لنا أنه، منذ ظهور الانسان على أرضنا، تمركز البشر في شتى مناطق “لبنان الطبيعي”: (ايام سكان برج كناريت-الزهراني، أي منذ حوالي مليون سنة، وايام الباليانتروبيين-النيندرتاليين، أي منذ نصف مليون سنة، وايام الأومو-سابيانس، أي منذ ربيع مليون سنة، وايام الآدميين-الميزوليتيين، أي منذ أثنتي عشرة الف سنة، وأيام اللبنانيين-النيوليتيين والانيوليتيين، أي منذ ثمانية آلاف الى ثلاثة آلاف سنة قبل المسيح. (اور، وكوبلند واورنش، “صناعات الشرق الأدنى الباليوليتية”، مجلة “الانتربولوجيا” 1973، الجزء 77، العددان 3-4 و5-6).

ومنذ بداية التاريخ، أي منذ عصر الكتابة، تحقق هذا اللبنان كما تحقق في معظم حقبات المجد والازدهار، ولقد دلت على ذلك النصوص التاريخية مدعومة باللقيات الاركيولوجية. (مثلا: نصوص التوراة تحدد تخوم بلاد كنعان كما كان اصحابها اللبنانيون-الفينيقيون، يحددونها: تكوين 15، 18، خروج 31:23، اعداد 2:34 -12، 1-14 الخ. كذلك نصوص اليونان والرومان في امثال هيرودوت وماكروب وسترابون وبلين وبطليموس الخ). ولقد وجدت كتابات وآثارا فينيقية مشرورة من تورس-قيليقيا، حتى شمالي صحراء سيناء، درسها مؤرخون شتى، منهم موريس دونان في “بيبليا غراماتا” وفان دن براندن في مؤلف ضخم شتى الكتابات الفينيقية.

تحقق “لبنان الطبيعي”:

1) في مستهل الالف الثالث ق.ب، أي أول عصور الأرض الذهبية الذي سمي “عصر تور-ايل”، وهما النابغة والملك اللذان لعبا دورا كبيرا في بسط حضارة لبنان على كل العالم، مؤسسين ممالك في رقعة تمتد من لبنان الى مشارف الصين والى نهايات افريقية واميركة. ولما كان الشعب معجباً بصديق الملك وقريبه النابغة، فقد أورد أسم هذا الصديق، في الرقم المحفورة، قبل اسم الملك.

2) عصر قدموس الذي حقق فيه قدموس “لبنان الطبيعي” و”جعل من العالم كله امبراطورية فينيقية”، على حد قول ننوز (“الادونيسيات”، 3، 00425).

3) عهد الرومان يوم قسمت بلادنا الى فينيقيتين يفصل ما بينهما البقاع (صورية المجوفة): “فينيقية الاولى”- “البحرية”. وكانت عاصمتها بيروت أو صور، و”فينيقيا الثانية”-“اللبنانية” وكانت عاصمتها دمشق أو حمص. (حتي، “لبنان في التاريخ”، ص 234 (3) الخ).

4) في عصور المردة (والمردة لبناننيون لا مستوردون وكانوا يلقبون بـ”جدار النحاس في وجه الغزو العربي” وكانوا “يلقون الرعب من جبال تورس-امانوس حتى جنوبي فلسطيني أي في كل “لبنان الطبيعي”. (تيوفان، “كرونوغرافيا”. عن عادل اسماعيل، “تاريخ لبنان”.. فخر الدين 2، ص 170).

5) في عهد فخر الدين الكبير، وهو عصر الابداع والمجد اذ امتدت مملكته وهو في أوج مجدها، مما وراء حلب الى خليج السويس، ومما وراء دمشق الى المتوسط. ولا يستغربن أن يتطلع فخر الدين الى ذلك، وهو الذي كان مؤرخاً فتسنى له الوقوف على حدود مملكة ابل العظيمة فاراد حدودها حدوداً لمملكته هو أيضاً.

واليوم يعرف كبار اللبنانيين، ان “لبنان الحد الأدنى” ليس لبنانهم الطبيعي، وأن عليهم أن يسعوا الى تحقيق ذلك اللبنان، لربما لا بالسيف والنار، بل “بالعدوى” الخيرة، أي بالعمل الدائم على النهوض بلبنانهم، بحيث يصبح بامكانهم أن يجذبوا نحوهم دون أدنى عناء، ليس فقط من يعيشون على اجزاء لبنان الطبيعي المبتورة -وهذا ما حصل لمعظم هؤلاء- وانما أيضاً وخاصة القيمين على مصائر هذه الاجزاء.

عن Lebaneseinisrael.com

شاهد أيضاً

لبنان الأصغر أجملُ البلدان هو الدِّماغُ والقلبُ، لـِ لبنان-فينيقيا الأكبر، وقديمًا للعالم

يقعُ لبنان في المنطقةِ المعتدِلةِ الشّماليّةِ، ويَنعمُ بطبيعةٍ شبهِ فردَوسيّة، تُصنِّفُه جزيرةً-واحةً وسطَ الصّحارى، ومَهدًا …