المنفى...

بقلم جولي أبوعرّاج

 

 

"المنفى، هو ذهنية الشتاء حيث تكون عواطف الصيف والخريف، مثل العواطف الكامنة للربيع، قريبة ولكنها ليست في المنال. المنفى هو الحياة خارج النظام المألوف. المنفي بَدَوي، غير متمركز، طباقي Contrapuntal، ولكن المرء ما يكاد يتعوّد عليه حتى تندلع من جديد قوّته غير المستقرّة". 

والاس ستيفنز

 

خلف الحدود ... تتدثر كلمات الشوق بحلكة الفراق الذي يكبل الأفواه ..

 

خلف الحدود .. تقف الكلمات عاجزة، فلا شيء سوى خفق القلوب ونبض العروق..

خلف الحدود... تنبض المشاعر ألماً وحزنًا على وطن أحببناه وارض رويناها بالعرق والدماء لتنبت موسماً متدفقاً من الحرية والعيش الكريم..

وإذ بالموسم الذي تمنيناه...يتحول "خلف الحدود"...المنفى.

المنفى... "هو المكان البارد والموحش، الذي تشعر معه أنك كائن زائد وغير مرغوب فيه… حتى لحظات الفرح الصغيرة والهشة سرعان ما تتحوّل إلى حزن كاوٍ..".

المنفى... رحلة تراجيدية كثيرة المحطات الصعبة ومتعددة المراحل المؤلمة،  يمر فيها المنفي بمرحلة الانهيار الوجداني, يرفض قراءة الواقع الأليم الذي أقصاه عن الوطن لا لسبب إلا أنه مواطن أمين.. لكنها في الغالب تكون بحثاً عن أفق آخر للحرية وللانعتاق الإنساني الداخلي بعيدا عن الأجواء الخانقة التي كانت تضيق أنفاس الكلمة والثقافة والإنسان ... بعيداً عن قدر يضعك بأيدي سفاحي الوطن ومجرميه..

 

 المنفى ,تجربة قاسية لكنها مفيدة كونها  تسمح بإحياء الهوية، وإحياء الحياة نفسها، وترتقي بها إلى وضعية أكثر اكتمالاً ومعنى. أن نفكّر بفوائد المنفى كباعث على إعادة إحياء  الموقف الإنساني الوطني والإبداعي أمر لا يعني التقليل من عذاباته الكبرى أبداً..لأن هذه العذابات هي التي "تصهر "الإنسان وتجعله أكثر تعلقاً بالأرض التي فقد ..

المنفى، إذا صح التعبير،  هو تصعيد للحدود الوطنية, فالإنسان المنفي يتعلّق بوجود الموطن الأصلي وحبّه والارتباط به، ولكن ما هو حقيقي في كل حالة نفي ليس فقدان الوطن وحبّ الوطن، بل فقدان  الوجود ذاته  في الانتماء للوطن ..

 من هنا وجب علينا عدم الاستسلام  للواقع الذي فرض علينا وعلى أبنائنا، بل استنفار كل الطاقات لإحياء العلاقة بوطننا الأم ...

 

ليكن المنفى استكمالاً لدرب الجلجلة التي بدأت منذ ثلاث عقود , ليكن درساً وجدانياً يزيدنا صلابةً وعزماً، ليكن شرطاً سابقاً ضرورياً من أجل حالة أفضل...

 لتكن إرادة البقاء التي جمعتنا في ديارنا، هي الدافع الوحيد لإستمراريتنا التي لا قائمة لها دون وحدة هدفنا ومصيرنا ...

 

لنتعالى عن لغة التفرد والإقصاء، لغة الحَجْب للإنسان. لننس ما علمتنا إياه حياة الحرب " مَن ليس متسلِّطًا، مَن ليس جزءًا من السلطة، يكاد ألاَّ يكون موجودًا".

لندع جمرات المنفى توحدنا وتصقل وجودنا وحدةً وتضافراً..

ها نحن اليوم أمام امتحان تاريخي لا يقل خطورة عن الذي مضى ، ولكي نتمكن من اجتياز هذا الامتحان الدقيق، يتحتم علينا أن نكون قوة واحدة قادرة على مواجهة التحديات ، أن نكون كلمة واحدة وموقفا لا يتجزأ،  تعكس صلابة قضيتنا ،  فنساهم بحل قضيتنا مع من يدعمنا من الأشراف في الخارج ..

 

 يتوجب علينا اليوم، الترفع والتعالي فوق كل الغايات والصغائر وأن نضع المصلحة العامة لا الخاصة فوق كل اعتبار، إذ أننا جميعا في خندق واحد نواجه نفس المصير والقدر. علينا التكاتف والتآزر لمواجهة القادم من كل الاتجاهات حتى لا نكون كبش فداء لثقافتنا وعقليتنا المتزمتة..

فنعيش المنفى في قلب المنفى..

 

 


Comments are moderated, and will not appear until the Admin has approved them.

 

------------------------- COMMENTS -------------------------

Bravo, nice words!!!

be3a2ed ya julie ktir 7elo lli ktabte...
7abbeit lnazra l2ejebiyi bhlma2ale
w7elet lestenfar blachet wb2owe l2e7ye2 l3ale2a bwatana l2om :D

Posted by: Stephanie | April 30, 2009 at 22:11 PM


Lebanon and its people remain in exile as long as you are not back in Lebanon

Posted by: Abou ghanem | April 29, 2009 at 19:29 PM


good one.bas min jabarkon!!?

Posted by: Samer | April 29, 2009 at 15:04 PM