(تحقيق جولي أبوعرّاج-سبق ونشر في مجلة "خلف الحدود")
يواجه
الإنسان خلال مراحل حياته خبرات متعددة وكثيرة، تترك آثاراً واضحة
على تعامله وتفاعله مع الآخرين في المجتمع، وهي تشكل بالتالي سلوكه
ونمط شخصيته الواقعية.إن كل مرحلة من مراحل النمو لدى الكائن البشري
تحمل معها خصائص وميزات وبنفس الوقت سقطات وأزمات يتدنى بعضها لتترك
آثاراً نفسية سلبية تنعكس على جميع التعاملات الاجتماعية مع الآخرين،
وأهم تلك المراحل المراهقة والتي سماها بعضهم "الصحوة بعد الكمون"،
حيث تعد أهم وأقوى مراحل عمر الإنسان على الإطلاق... أولادنا هم
أبناء الحياة التي نعيش ونحيا فيها، فهم ينتمون إليك وإلى الحياة
التي توجد من حولنا بل ويكافح الآباء من أجل إرضاء أبنائهم ونيل
حبهم.. صحيح أنك تعطيهم الحب لكنك لا تستطيع أن تمنحهم أفكارك لأن
لديهم أفكارهم الخاصة بهم وهذه الأفكار تختلف من جيل إلى جيل،
وغالباً ما تسكن أفكارهم في منزل الغد وهو المنزل الذي لا يمكن أن
تزوره حتى ولو في أحلامك..
تبدأ هذه الفترة حوالي سن 12- 13 بسن البلوغ الجنسي وتنتهي بالدخول
في عالم الاستقلالية والنضج، ومسألة الهوية التي يثيرها
المراهق،تنطوي على تحولات جسدية ، بلوغية جنسية بنحو خاص . فهو يغدو
إلى حدٍ ما "غريباً" عن ذاته وعن الآخرين الذين لا يعود يعترف بهم،
فهو يخشى ألا يعود متطابقاًً مع التوقعات الوالدية الخاصة به ، ولا
مع المطالب التي يستلزمها اندراجه في مجتمع الراشدين. مرحلة المراهقة
هي مرحلة غير طبيعية يغلب عليها طابع القلق والإحباط والعديد من
المشاكل النفسية الأخرى.. مرحلة عامة وشاملة يمر بها الفرد أينما كان
وأينما وجد ،لكن أثارها وتداعياتها تختلف من شخص إلى آخر وفقاً
للظروف التي يمر بها ..
عصفت رياح القدر المحتوم، منذ ست سنوات، بعددٍ من العائلات
اللبنانية، فنقلتهم من مجتمع إلى آخر حيث تصادمت الثقافات نظراً
لاختلاف أساليب العيش والتفكير والتعبير...وانطلاقاً من إشكاليات
العلاقات البيثقافية . يمكن لالتقاء ثقافتين أن يحدث صدمة ، سوء فهم
من البعض لثقافة البعض الآخر .ومن البديهي أن تتشبث هذه العائلات
بأعرافها وتقاليدها ونسخ مسلكياتها على أبنائها حفاظاً منها على
هويتها... مما يجعل هؤلاء الأبناء يعيشون في عدة أبعاد؛ البيئة
الطبيعية (البيت) التي تؤثر عليهم تأثيراً ثابتاً بحيث تعطيهم ماضي
تاريخي ، والمجتمع الإسرائيلي الذين يشكلون هم جزءاً منه ويتماثلون
مع باقي أفراده من أجل التعاون والتواصل ...فيستنبطون جزءاً من
ثقافته . وبين البعدين يتخبط الأبناء خصوصاً أولئك الذين يمرون بهذه
المرحلة العاصفة من حياتهم في ظلّ ظروف تتأرجح بين الضيق المادي
والمعنوي وردات فعلٍ ناجمة عن تغيرات فسيولوجية ،جسمانية ،سلوكية
ونفسية ...
جولة صغيرة سمحت لنا باستنباط واقع هذه المرحلة لمن يعيشها ويعايشها
من اللبنانيين في إسرائيل حيث تنوعت الآراء واختلفت القناعات حولها،
كل حسب ظروفه ...
سندرا ابنة السابعة عشر ربيعاً تتحدث عن هذه
المرحلة "المميزة" من حياتها بالايجابية "والفضل يعود بالطبع إلى
علاقتي مع أهلي وعلاقتهم بي وتفهمهم لاحتياجات هذا السن.. قرب
والدايّ مني ومعاملتهم لي كصديقة له الأثر الجيد على نفسيتي (..)أمُر
بفترات عصيبة وتنتابني لحظات العناد والتمرد إلا أن تفهمهم لسلوكي
ودعمهم لي مع النصح والإرشاد يقلل هذه اللحظات وتداعياتها ..." أما
عن وجودها في إسرائيل وازدواجية الثقافتين (اللبنانية والإسرائيلية )
تقول سندرا "وجودي هنا، فسح لي المجال في التعرف على حضارتهم التي هي
مزيج لمجموعة حضارات ولا أرى السلبية في ذلك ..لكن ثقافتي الاجتماعية
تبقى لبنانية سواء في أسلوب العيش أوفي المبادئ والأعراف والتقاليد
التي اتبعها.. اكتسبتها عن عائلتي التي تشكل امتداداً للمجتمع
اللبناني مع ضرورة التشديد على اقتناعي بها لأنها جزء من هويتي التي
لا يمكن التنازل عنها..."، وتضيف " لدي الكثير من الأصدقاء اليهود،
احترم خصوصيات سلوكياتهم وعاداتهم إلا أنها لا تعنيني، ولم أفكر مرة
بتقليدهم..."
شربل .ن ، جسد حالة مناقضة ، فاعتبر أن تركه
للبنان سلبه أموراً عديدة ، لا سيما طموحه في إكمال دراسته
الأكاديمية، لأسباب عديدة منها المادية ومنها المعنوية ، مما دفعه
إلى الحياة العملية ... التي أفقدته في هذا العمر "طعم مرحلة يقولون
عنها أنها مميزة... فانا لم اشعر بها رغم أن عمري لم يتجاوز التاسعة
عشرة ربيعاً(...)علاقتي بعائلتي جيدة، بشكل عام، أما فيما يتعلق بمدى
تفهمهم لي، فهم متفهمون إلى حدٍ أنهم لا يتدخلون في خصوصياتي... "
لقد وصف هذا الشاب وضعه كالذي يسبح في فضاءٍ لا يعرف متى، أين، وكيف
سيحط رحاله .وعن موضوع الأعراف والقيم واختلافها ما بين المجتمعيّن،
يقول شربل "رغم انتمائي إلى بيت لبناني أجد نفسي ميال إلى ثقافة
المجتمع الإسرائيلي، حيث الإنسان إنسان بكل ما للكلمة من معنى (..)
رغم انتقادنا الشديد لهم، إلا أنهم على حق في سلوكياتهم، كونهم
متصالحين مع ذاتهم، يتصرفون على طبيعتهم، يقولون ما يشعرون به دون
الحاجة إلى الكذب والخداع... لا يمثلون كما نفعل نحن في اغلب
الأحيان..."
يعتقد الكثيرون أن المراهق هو شخص ثائر ومتمرد وليس له رأى ثابت
وتوجد تناقضات في تصرفاته. كما أنه لا ينصت إلى آراء من يكبرونه في
السن وتوجد فجوة كبيرة بينه وبين الكبار. لكن كل هذه الآراء خاطئة
وأسطورة غير ناضجة
هي نتاج لعدم قضاء الآباء الوقت الكافي مع أبنائهم لمعرفة بل ولتعلم
التغيرات الطبيعية والمتوقع حدوثها في خلال هذه الفترة." أثور عندما
لا ينصت لي أحد من عائلتي ، يعتبرونني دائما صغيرة على اتخاذ
القرارات ، حتى بأدق التفاصيل الخاصة يتدخلون : اختيار الأصدقاء، و
اختيار أسلوب الحياة ..." تقول < لورا إبنة
السادسة عشر ، "اعرف اتهم يحبونني ويخافون عليّ.. لكنني أتمنى أن
يعطوني الوقت لأعبر عن رأيي بدل فرض الأسلوب العسكري (..) احترم
عاداتنا وتقاليدنا إلى أني مضطرة في الكثير من الأحيان إلى اعتماد
أسلوب اليهود حتى لا اظهر مختلفة عنهم ..".
من السهل أن نصدر أحكامنا على الأشخاص لكن الأصعب هو فهمهم.
فالمراهقة هي مرحلة عمرية تمر بالإنسان مثلها مثل أي مرحلة عمرية
أخرى لكن المختلف فيها هي التغيرات التي تحدث للمراهق والقرارات
الصعبة التي ينبغي على الآباء اتخاذها لتنشئة الفتى أو الفتاة إما
بطريقة صحيحة أو خاطئة ومن أبرز الأسئلة التي يوجهها المراهق لنفسه
بل ولمن حوله: من أنا؟ وكيف يمكنني الاتصال بالعالم الذي يوجد من
حولي؟
"أنا فتاة تريد أن أعيش بحرية (طبعا المحدودة بالأصول والأعراف
والتقاليد)، أن أقيم علاقات مع الأشخاص الذي أريد أن أكون معهم، غير
مفروضين عليّ..." بهذه العبارات عبرت لبنان.س
عن شخصها وهي ابنة
الثامنة عشر ربيعاً ، تناشد دائما الاستقلالية المشروطة " برضى
الوالدين" ، فهي تعتبر أن لكل جيل مميزاته ، ولكل مرحلة تطلعاتها ،
من هنا على" الأهل تفهم مرحلتنا ، فهم مصدر الحكمة والنصح ونحن مصدر
الحياة والحركة..." وتضيف لبنان، "يتحدثون عن الاختلاف ما بين
العادات والتقاليد اللبنانية والإسرائيلية، أنا شخصيا لم أرَ الفرق،
إن من حيث اللباس أو السلوك أو أسلوب العيش لا على العكس أرى أن هناك
بعض العائلات الإسرائيلية متحفظة أكثر منا.. وان كان هناك فرق فهو
بأنهم طبيعيين أكثر منا وليسوا بمتصنعين ..."
تتنوع الآراء ، وتتلون النظرة إلى الحياة في هذا العمر ، وما قراناه
، نماذج لشباب تعصف بهم مرحلة المراهقة وما تفرضه من متغيرات من جهة
و وريح التنوع الثقافي من جهة ثانية وفي كلتي الحالتين ، يبقى دور
الأهل هو الأساس ومدى تفهمهم لاحتياجات أولادهم عاطفياً، سيكولوجياً
وحتى مادياً...وما بين "المحافظة" ( رفض تغيير ثقافتنا وقيمنا ..)
والامتثالية ( الانتماء إلى مجتمع الأغلبية حيث نوجد ،بعقليتها
وسلوكها وأداء العادات والأعراف ) يبقى الشاب اللبناني أمام خيارين
إما التكيف وفق درجات معينة أو يبقى ضمن نطاقِ قيمٍ تشكل حاجزاً أمام
التغيير . وهنا لا بد أن ننوه إلى أن المجتمع الإسرائيلي من
المجتمعات التي تركز على العقلانية والإنتاجية ، وتمثل الثقافة
المراهقة فيه نوعاً من الخلية الجماعية ومدخلا لحياة الرشد ،
والثقافة المعاكسة (أي اللبنانية)التي تفرض أسلوب عيش يتعارض مع
الثقافة السائدة ، من شانه أن يحدث طغوطاً خصوصاً عند الشباب، لذلك
يكون الامتثال للثقافة السائدة هي رد فعل هؤلاء الشباب إزاء الضغوطات
وملجأ أمام قساوة معينة فتأتي سلوكياتهم عن جهل... ولا بد للأهل أن
يعوا هذا الوضع و يدركوا أهمية فكرة التغيير التي يمر بها أبنائهم
خلال هذه المرحلة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر دون أن يشعرون بذلك
من خلال النقد المفرط، و عدم الصبر في التعامل معهم...لا بد من إعطاء
الأبناء قواعد واضحة من قيمنا وعاداتنا ، بحيث تكون قواعد محددة
يضعها الآباء لكي يلتزم بها الأبناء بصفة مطلقة ولابد من الإصرار
عليها ولكن في نفس الوقت على الآباء احترام آراء أبنائهم ورغبتهم في
التغيير وأن تتوفر لديهم الرغبة في مناقشة قراراتهم معهم ليأتي
التزام الأبناء بهذه العادات واحترامها نابع من قناعة وإرادة ذاتية
..